شوكة الأطباء، الحلقة السابعة : تدشين مرحلة (التطهير)

18/08/2011م - 7:07 ص - 7014 قراءة

نسخة للطباعة حفظ الموضوع أرسل الى صديق


 

مرآة البحرين (خاص): في الحلقة السابقة، تناولنا انتهاكات عايشها أفراد من الكادر الطبي في أول يوم من إقرار قانون الطوارئ (15 مارس/آذار 2011)، استهلته قوات درع الجزيرة بقصف منطقة سترة، أسفر عنه سقوط قتيل من المحتجين، وبنغالي الأصل حاول حماية نساء سترة، وأكثر من 250 مصاباً، بينهم 65 حالة حرجة.

"لم أر في حياتي من يستبسل أمام القمع الوحشي كما رأيت في يوم سترة، هناك كان الخوف خلفي والشجاعة أمامي، لا فرقبين النساء والرجال"، يقول أحد أفراد الطاقم الطبي.

هذا اليوم، كان له حصيلة أخرى من ردود الفعل، جملة من الاستقالات من المناصب الرسمية في الدولة، احتجاجاً على التعاطي الأمني العنيف. بدأتها عضو مجلس الشورى ندى حفاظ، صرحت لصحيفة الوسط أن سبب استقالتها "هو ما يجري من ضرب للشعب، ومن سوء المعالجة للأمور منذ البداية إلى الآن ولو كانت الحكومة استقالت منذ البداية لتنفس الشعب وبدأنا طريقاً صحيحاً»، وتساءلت «لماذا يصل الجيش من خارج البحرين؟، هل يحمينا من شعبنا؟»، وتعجبت «مَنْ هؤلاء الملثمون الذين يجولون في البحرين ولديهم سيوف وأسلحة بيضاء؟»، واستنكرت «لماذا الضرب في سترة؟ ومن الذي يطلق النار في سار وغيرها من المناطق، وهذا من سوءالتخطيط والمعالجة وأنا لا أقبل بذلك أبداً» (1).

التطهير..
 
يمكنناأن نقول إنه منذ إقرار قانون السلامة الوطنية ودخول قوات درع الجزيرة عبر جسر الملك فهد رافعين علامات النصر، دخلت البحرين مرحلة جديدة: إنها مرحلة التطهير، وما حدث في سترة، كان جزءا من هذا المشروع. التطهير الذي أعلنته القيادة العامة لقوة دفاع البحرين في بيانها في يوم 16 مارس: "تعلن القيادةالعامة لقوة دفاع البحرين إنه صباح هذا اليوم الاربعاء الموافق 16 مارس 2011م بدأت قوات من الأمن العام والحرس الوطني وبمساندة من قوة دفاع البحرين بعملية (تطهير) دوار مجلس التعاون والمرفأ المالي ومستشفى السلمانية وما حولهم وإخلائهم من الخارجين عن القانون الذين روعوا المواطنين والمقيمين وأرهبوهم وأساءوا للاقتصاد الوطني وقد تم تنفيذ العملية حسب الخطة الموضوعة لها بكفاءة واحتراف مع مراعاة السلامة للجميع". هذه الأخيرة، لم تعرفها البحرين منذ ذلك التاريخ (مراعاة السلامة للجميع).

 
التطهير مصطلح يستخدمه الطب كما تستخدمه السياسة. في الطب هو إجراء وقائي يستخدمه الأطباء من أجل حماية حياة الإنسان، لكن في السياسة هو إبادة الإنسان واضطهاده من خلال السجن أو القتل أو التهجير. الأطباء خلال الأحداث كانوا يقومون بتطهير المناطق التي تستلزم عمليات جراحية لحماية المصابين، لكن السلطات البحرينية التي أعلنت قيامها بعملية الـ(تطهير)، كانت تستحضر نموذجاً  قريباً من التطهير العرقي الذي جرى استخدامه منذ مذابح يوغسلافيا السابقة عام 1990 ومذابح راواندا.

إنه التطهير من أجل التخلص، التخلص من نصف الشعب الذي أزعج السلطة بسقف مطالب تجاوزت خطوطها الحمراء. هكذا بدأ التخلص من كل من احتج، كل من رفع شعارا، من طالب، من هتف، من تعاطف، من ذهب إلى الدوار، من شارك في مسيرة، من صرّح، من نشر، من فضح، من تعاون مع  الإعلام، وبطبيعة الحال، كل من عالج المصابين خلال الأحداث. الأطباء كانوا جزءاً من هذا الوجود الذي صار مزعجاً للسلطة ومهدداً لصورتهاالزائفة في الخارج. لهذا كان (تطهير) مستشفى السلمانية من الأطباء والكادرالطبي، هو الحدث الملازم لـ(تطهير) الدوار من المحتجين.

ورغم تجريماستخدام كلمة تطهير عالمياً باعتبارها فعل جريمة، ورغم حساسية استخدامها في الثقافة الدينية باعتبارها تقابل النجاسة، فإن النظام لم يتورع من استخدام هذه الكلمة في بيان داخليته، ولم يخجل دولياً، لا إنسانياً، من تكرارها في صحافته وإعلامه.


تطهير مدنّس
منذ ساعات الفجر الأولى لصباح يوم الأربعاء (16 مارس/ آذار2011)، كان الدوار يستعد للهجوم المرتقب (2).عند الساعة السادسة، انقطعت وسائل الاتصال فجأة، "حاولنا الاتصال بالشباب في الدوار لنطمئن على الوضع، لكن الاتصال مقطوع" تم الهجوم، قوات الجيش والأمن والحرس الوطني تحاصر الدوار، طائرات الأباتشي الحربية تحوم حول الدوار وتقوم بإطلاق الرصاص الحي (3)، طائرات عمودية تحلق في كل مكان، أرتال من الجيش في الشوارع لمواجهة المحتجين العزل (4)، الشوارع المحيطة بالدوار مغلقة بالكامل بآليات الجيش والدبابات والمدرعات، القناصة ينتشرون في أعلى البنايات (5)،"حاولنا الوصول إلى الدوار، كانت الشوارع المحيطة بالدوار مغلقة بالكامل، ذهبنا من جهة النعيم، فشاهدنا رجال الأمن والجيش يتكدسون فوق مركز شرطة النعيم، ويوجهون بنادقهم لضرب من يمر باتجاه الدوار، كان المشهد مرعباً، عدنا" يقول أحد الشباب.
 
في الدوار، فرّ البعض باتجاه البيوت القريبة، لكن عدداً آخر بقي صامداً لأطول مدة ممكنة قبل نجاح قوات الأمن والجيش في السيطرة على الدوار بعد تكثيف الهجوم. مواجهات طويلة عاشها الشباب الأعزل قبال آلات الجيش، فيديو يُظهر عدد من الشباب العزل يخاطبون الأمن مستنكرين: لا سلاح لدينا، لتهاجموننا بالدبابات؟ (6).لم يكن الانسحاب بالسهولة التي صورها بيان وزارة الدفاع، الشباب الذين كانوا قد أغلقوا الجسر لمنع قوات الجيش من الوصول إليهم، تعلقوا فوقه وصاروا يقرعون على الحديد احتجاجاً، قبل أن يداهمهم رجال الأمن راجلين من أسفل الجسر، ويلقوا عليهم الغازات المسيلة للدموع والرصاص المطاطي والانشطاري (7). ملاحقات انتهت بسقوط عدد كبير من المصابين الذين منعت عنهم سيارات الإسعاف (8)،ومنع عنهم مستشفى السلمانية المحاصر من قبل رجال الأمن وآليات الجيش. تم أخذ المصابين في سيارات خاصة إلى مركز النعيم القريب من الدوار، والمستشفى الدولي (9)، ومستشفى ابن النفيس التي فتحت أبوابها لتلقى الإصابات.

في هذا اليوم  سقط جعفر محمد عبد علي سلمان (41 سنة) من كرانة، وأحمد عبدالله حسن (23 سنة) من مدينة حمد، سجلت وفاتاهما في المستشفى الدولي (10)،في حين سجلت وفاة الضحية الثالثة جعفر عبدالله معيوف (30 سنة) في مستشفى ابن النفيس. كما قتلت رصاصة حية آسيويا (48 سنة) يعمل حارسا في إحدى الشركات في قرية الحجر، وكانت طائرة تحلق بالقرب من المنطقة، ظل ينزف على إثرها ساعة ونصف من دون إسعاف حتى فارق الحياة. جمعية الوفاق أعلنت عن اختفاء 30 شخصاً لم يعرف عنهم شيئا.

"العسكر الذي لم يعرف ساحة حرب حقيقية من قبل، كانت هذه  تجربته الأولى ليختبر مهاراته في الهجوم والاحتلال والتدمير والقتل والبطش والفتك، لهذا لم يبقَ شيء يخص الحرب إلا وأحضره بنية الاستخدام في ذلك اليوم، وكانت ساحته كل من منطقة سترة والدوارومستشفى السلمانية" يقول أحد المراقبين.

لقد نفّذ الجيش أمر التطهير، فدخل في حرب غير مقدسة، طرف في كامل عتاده يقابل طرفا في كامل عزله، استبسلالعسكر في معركته التي سيحمل خزيها طيلة تاريخه، إنها الحرب المدنّسة.


موالون غائبون
 
عند مستشفى السلمانية، كانت آليات الجيش بدأت محاصرتها لمداخل مجمع السلمانية الطبي، قبل أن تتم محاصرته بالكامل، وقبل أن يتم منع الدخول والخروج، بما فيها سيارات الإسعاف. "وصلت السلمانية لدوامي المعتاد، كانت الساعة السادسةوالربع صباحاً، تفاجأت بالمستشفى محاصرة بآليات الجيش، منعوني من الدخول"،تقول إحدى الطبيبات. منذ الصباح الباكر بدأت أخبار ضرب الدوار تصل. أصوات الطائرات العمودية تحلق في الأجواء. الكادر الطبي محاصر وممنوع من الخروج، ينتظر أن تأتي إصابات لمعالجتها، خاصة مع توارد الأنباء عن سقوط أعداد من المصابين، لكنّ لا شيء يصل.

عدد كبير من الأطباء والكادر الطبي، قضوا ليلتهم نائمين في المستشفى تحسباً لأي طارئ. "كان كل شيء يشير إلى أنهفي هذا اليوم سيتم الهجوم على الدوار". لكن عدداً آخر من الأطباء، كانوا قد توقفوا عن الحضور للمستشفى قبل محاصرة المستشفى بيومين. الطبيب عيسى الشروقي منسق برامج التدريب بوزارة الصحة، أرسل عدداً من أطباء الموالاة، إلى المستشفى العسكري، وهو المستشفى الذي سينقل إليه المصابون فيما بعد، كذلك إلى مستشفى الملك حمد الجديد، الذي لم يكن جاهزاً حينها، لكن تمّ فتح وتجهيز قسم الطوارئ فيه قبل يومين فقط من الهجوم على الدوار ومحاصرة السلمانية، ما يكشف التخطيط لنقل المصابين إلى هناك دون مستشفى السلمانية. نُشر في الصحف الرسمية "تم تجهيز قسم الطوائ في مستشفى الملك حمد الجامعي بمساعدة الخدمات الطبية لقوه دفاع البحرين التي قامت بتزويدنا بالأدوات والأجهزة والمعدات الطبية بالإضافة الى خمس سيارات إسعاف، كما تم استخدام الأطباء والممرضات وتجهيز غرفة للعمليات في وقت قياسي".(11)

كانذلك تمهيداً للهجوم الوحشي الذي أُعد له هذه المرة، بحيث يقع وسط سيطرة كاملة على الكادر الطبي ومستشفى السلمانية، بعد أن كانت في 17 فبراير، قناةلفضح حقيقة النظام المتغني بالديمقراطية والحضارية. وبهذا ضُمن أن يكون الجرحى في قبضة العسكر، والأطباء في عجز العلاج، والأهم من ذلك، ضمان منع الفضح.

عدد آخر من الكادر الطبي الموالي، تغيب بإجازة مرضية خلال هذه الأيام تحديداً. باختصار، خلا المستشفى في اليومين الأخيرين من الأطباءالموالين بشكل عام، ما عدا الإداريين. وبهذا أيضاً، تم تأمين غياب من يرادحمايتهم، مقابل من يراد التنكيل بهم. 

قبل يومين أيضاً، جاء قرار من وزارة  الصحة بنصب خيمة طبية في باحة الطوارئ، نصبت خيمة كبيرة معدة بالأجهزة والأدوات، تم الانتهاء من تجهيزها ليلة الهجوم على الدوار.

 
بعدأن أحكم الجيش محاصرته لمجمع السلماني بالكامل، بدأت قوات  الجيش وقوات الأمن بالدخول إلى باحة طوارئ السلمانية. أعداد كبيرة من الملثمين والمقنعين انتشرت في كل مكان، ترافقهم أعداد كبيرة من الكلاب البوليسية، يحمل بعضهم كاميرات تلفزيونية، تتبعهم عدد من سيارات اسعاف المستشفى العسكري، كان دخول سيارات الاسعاف الخاصة بالمستشفى العسكري محل استغراب الكادر الطبي، سيتبين فيما بعد شيء من وظيفتها، "رأينا آسيويين يخرجون من سيارات الإسعاف، كان واضحا أن مهمتهم التصوير كرهائن تم إخراجهم من المستشفى" تقول طبيبة.

فوق المستشفى راحت الطائرة العمودية تحلق من ارتفاع منخفض، "كان قناص يوجه سلاحه نحونا من الطائرة" تشهد طبيبة. تضيف "كنت واقفة وعدد من الكادر الطبي عند مدخل الطوارئ حين قامت طائرة عمودية تحوم فوق رؤوسنا على ارتفاع منخفض، بإلقاء قنبلة صوتية ناحيتنا" الكادر الطبي من فوره لاذ بمبنى المستشفى مرعوباً.

قبضة العسكر
مننوافذ الطوابق العليا في المستشفى، اصطف الكادر الطبي يشاهد بوجوم، ما يحدث في باحة الطوارئ وموقف السيارات. من فورهم بدأ رجال الأمن والجيش بالهجوم على الخيم التي كان قد تم نصبها من قبل المحتجين. كذلك الخيمة الطبية التي تم تجهيزها بالأدوات والمعدات الطبية قبل ساعات فقط، تم تحطيمها بالكامل بكل ما فيها من معدات وأجهزة. لم تسلم حتى الأجهزة الطبية التي هي ملك عام للدولة من التحطيم. "لم أرَ في حياتي جنوداً يقاتلون خيام وأجهرة طبية إلا جنود جيش البحرين والسعودية" تقول طبيبة. الكادر الطبي يحملون هواتفهم النقالة، يصورون ما يحدث، يلمحهم رجال الأمن من الأسفل، يوجهون أسلحتهم نحو زجاج الطوابق العليا، التهديد يصل، يتوقف التصوير.
 
مجموعةأخرى من قوات الجيش والشغب، اتجهت لموقف السيارات في باحة الطوارئ، وقامت من فورها بتكسير بعض السيارات  "رأيناهم يضعون أشياء بداخلها، لا نعرف ما هي، ثم يقومون بالتصوير من خلال كاميرات تلفزيونية الحجم، ثم رأيناهم يكسرون باب جامعة الخليج المقابل لموقف السيارة، ويُدخلون أشياء لم نميزها،صوروها أيضاً " تقول إحدى الطبيبات.

في الوقت نفسه أيضاً، كان عدد من العسكريين دخلوا من جهة الطوارئ إلى إدارة المستشفى، سيطروا على الإدارة، وأعلنوا الإدارة العسكرية بقيادة الدكتور فتيحه (من أصول مصرية) الذي سيقود التحقيقات مع الأطباء فيما بعد. وكان من بين الموجودين في مبنى الإدارة الوكيلة مريم الجلاهمة والوكيل أمين الساعاتي وبعض الإداريين من ضمنهم أحمد العم، الذي يرجح كونه على علاقة وطيدة بالأمن والجيش ورجال المخابرات.

"كأن كل شيء انتهى في لحظة، وكأن الموت هو ما سيأتي، وبعده الظلام المطبق، كان هذا هو شعوري حينها" يقول طبيب "كنا ننتظر هجوما علينا بعد الانتهاء من تحطيم كل شيء في الباحة في الأسفل، كنت أسأل نفسي، هل انتهى كل شيء؟ هل جاء دورنا الآن؟" تقول طبيبة. لا أحد يسأل الآخر، لا أحد يجيب.

الإرسال في المستشفى متقطع وضعيف، لكنهم يستقبلون الأخبار أولاً بأول. يسمعون عن الإصابات والحالات في كل من الدوار ومنطقة سترة التي بقيت حتى اليوم الثاني تعيش قمعاً بربرياً متواصلاً. الناس لا تعرف إلى أين تأخذ المصابين، يتجهون إلى المراكز وبعض المستشفيات الخاصة التي فتحت أبوابها لاستقبال الحالات مثل المستشفى الدولي ومستشفى ابن النفيس والمستشفى الأمريكي. يعلم الكادر الطبي أن وجوده في مستشفى السلمانية الآن عديم الفائدة، وأنه محاصر عن إنقاذ حياة أحد الآن، وأن بقاءه داخل المستشفى لا فائدة منه، لكن ما العمل؟


تطهير شمولي
 
الوزير نزار البحارنة يصل مستشفى السلمانية سريعاً، الممرضات في حالة هستيرية. يحاول التخفيف والطمأنة وأنه لن يسمح بتعرضهم للأذى. يتوجه ناحية العسكر، يتحدث معهم بلباقته المعروفه، يحاول منع دخولهم المستشفى التي لها حرمتها وخصوصيتها، وبها ما بها من حالات، لكن العسكر لا يفهم صوت اللباقة ولا صوت الإنسان ولا تحرك مشاعره خصوصية المكان، العسكر لا يفهم سوى أمر سيده الواجب التنفيذ: التطهير. يقول شهود "رأيناه عند قسم الطوارئ يطلب من رجال الجيش والأمن عدم الدخول الى المستشفى، كان يتحدث إلى عسكري ذي رتبة عالية اسمه محمد المطاوعة، سمعناه يقول للوزير: إنت ما تهمني من تكون".

"كانمنظر التخريب مهولاً في مواقف السيارات المقابل للطوارئ، لم نكن نصدق أن ما نراه حقيقة، وأن ما نحن فيه ليس حلما". الجيش المحاصر لسور المجمع الطبيفي الخارج، كان يقوم بمهمة أخرى غيّر حراسة مداخل مجمع السلمانية ومنع الخروج والدخول، كانت لديه مهمة تطهير أخرى، تحطيم جميع السيارات الواقفة على امتداد محيط مجمع السلمانية الطبي، "في اليوم الذي خرجت فيه من المجمع شاهدت مقبرة من السيارات المهشمة في كل مكان، كنت أحاول أن أجد سيارة واحدةسليمة، لكني لم أجد"، تقول طبيبة. مئات السيارات تم تحطيمها بالكامل قبل أن يتم سحبها بعد أيام، وإجبار أصحابها على التوقيع عن تنازل عنها. الأمر ذاته حدث مع السيارات الموجودة في محيط الدوار بالكامل، إنه جزء مما أسماه بيان الداخلية بـتطهير الدوار والمستشفى و(إخلائهم من الخارجين عن القانون)، فالسيارات التي ساعدت المحتجين في الوصول أيضاً خرجت عن القانون وتستحق التخلص منها، كما دوار اللؤلؤة الذي خرج عن القانون لأنه سمح للمحتجين الاعتصام فيه، فكان تطهير مكانه، إزالته سريعاً، بعد يومين من الهجوم (الجمعة 18 مارس/اذار 2011 ).

استقالة الوزير
عددمن الكوادر الطبية، طلب من الوزير تأمين الحماية والسماح لهم بالخروج في سيارات الإسعاف من أجل إسعاف المصابين في منطقة سترة، حيث الدوار كان قد تمإخلاؤه ساعتها، فيما ما تزال سترة مشتعلة برصاص الجيش. البحارنة قام بالتنسيق مع الإدارة العسكرية، وبناءً عليه، أعطى الوزير الضمانة للكادر الطبي بعدم التعرض للأذى، وسمح لهم بالخروج من البوابة الخلفية المقابلة لبناية سناء. تجهّزت سيارات الإسعاف، تُركت لتعبر البوابة الخلفية دون أن يتعرض لها أحد، كانت الكاميرات التلفزيونية الخاصة بالأمن تصور سيارات الإسعاف وهي تخرج بسلام، عُرضت في تلفزيون البحرين للتدليل أنه لم يتم منع الإسعاف من الخروج. لكن هل عبروا بسلام؟ "لقد سمحوا لهم بالخروج من البوابةليصور هذا المشهد تلفزيون البحرين الذي بثها من فوره، وليقولوا للعالم إنهم يسمحون للإسعافات بالخروج، لكن ما إن تجاوزا البوابة حتى هجموا عليهم"تقول طبيبة.

خرجت سيارات الإسعاف من البوابة المقابلة لمحلات سناء،وهو معرض تجاري كبير ومشهور، مقابل لإحدى بوابات مجمع السلمانية الطبي. هناك مباشرة تم إيقاف السيارات وإنزال الطاقم الطبي والتحقيق معه وسؤاله كلمن فيه عن مذهبهم، إنهالوا بالضرب على الطاقم الطبي في واحدة من السيارات بطريقة وحشية، بعد تعريضهم للشتم والسب والقذف، تسبب الاعتداء في كسر يد أحد أفراد الطاقم الطبي، ولم يلبث هذا الإسعاف أن عاد إلى المستشفى لتلقي العلاج بدلاً من الخروج لتقديم العلاج. "كنت مذهولة وأنا أشاهد آثار دوس أحذية رجل الأمن على كل جزء من أجزاء جسم الطبيب الشاب الذي خرج في سيارة الإسعاف، كان وجهه معفراً في التراب وعليه آثار دوس الأحذية وكذلك شعره وكامل ثيابه"، تقول إحدى الطبيبات. طاقم الإسعاف الذي تعرض للاعتداء كان منبينهم  الطبيب أحمد العمران. سيارة إسعاف أخرى تعرضت للاعتداء، كان بها كلمن مدير المستشفى وليد المانع الإداري الحالي، ورئيس الأسعاف سابقا محمد عبد الرحيم.

سيارة إسعاف أخرى واصلت طريقها نحو منطقة سترة وسط وقفات تفتيشية في عدد كبير من نقاط التفتيش، لكن وعند وصولها سترة كان الأمن قد طوق المنطقة بالكامل، وتمكن من قتل الحياة في شوارعها بالكامل، القوات المسلحة أغلقت ببنادق نصف آلية، الشارعَ الرئيسي الواصل إلى منطقة سترة. أيضاً، إنه التطهير: "لم نجد سوى آثار الخراب في طريق استهلكها القصف" تقول إحدى أفراد الطاقم.

عند البوابة رقم 1، شاهد الجميع  ثلاثة شبان، لم يتمكن أحد من معرفتهم، مربوطة أيديهم إلى الخلف، تتم الإساءة إليهم وضربهم وتعذيبهم دون أن يتمكن أحد، بما فيهم الوزير نفسه، منمساعدتهم أو عمل أي شيء.
الوزير البحارنة شاهد على كل ما يحدث: ما تعرض له الكادر الطبي الذي خرج في حمايته وبإذن الوزارة وبتنسيق مع الإدارةالعسكرية الجديدة، وما يحدث في المستشفى من تخريب وترويع وهتك. الوزير البحارنة يدخل مبنى الإدارة، يقف أمام العسكر (بينهم عسكري من العائلة الحاكمة)، يعلن استقالته احتجاجاً على سقوط هيبة الوزارة، وهيبة الوزير، وهيبة المستشفى، وهيبة الإنسان، وهيبة الدولة، وهيبة كل شيء.

  • الحلقة القادمة: كيف قضى الأطباء ساعاتهم خلال يومين من المحاصرة، وانتهاكات للطاقم الطبي في الأيام الأولى خلال فترة السلامة الوطنية.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات

comments powered by Disqus