»

اسطوانات كتاب السلطة: الحكومة أولا (3)

27/08/2011م - 5:27 ص - 3212 قراءة

نسخة للطباعة حفظ الموضوع أرسل الى صديق



جاسم العويك*

وكما قلنا في المقال السابق (أسطوانات كتاب السلطة 2) فإن تبريرات البقاء على الوضع الراهن تختلف من كاتبٍ لآخر حسب ثقافته وموهبته، فإذا كانت عدّة الشُّغل للكاتب عقيل سوار لاتتجاوز حزمة أمثال شعبية بعضها ساقط أخلاقياً في طريقة توظيفها لوصف شريحة من الناس، يعمُد الثلاثي (الشيخ والبنخليل والزياتي) على إثارة العصبيات القبلية والإثنية، وهو خطاب نستنكف مساجلته لضحالته، فتبقى سوسن الشاعر التي لا تختلف عنهم إلا بموهبة التذاكي حيث تضيع الموهبة حين لايَخلق الكاتب لنفسهِ مسافة نقدية من السلطة.

 نأسف عليها مثلما نأسف لمفكر مثل محمد جابر الأنصاري ـ المستشار الثقافي للملك ـ  الذي يقدم مجموعة من التحاليل العميقة والرائعة لكنه نظراً لموقعه في السلطة يقلّب النتائج بل يلوي ذراعها لصالح مشروع الملك، فينتقد تونس ومصر بعد الثورة ويطرح التخوفات ليس من أجل المزيد من الحرية والاستقرار، بل ليقول إننا قد سبقناهم ولاداعي لافتعال ثورة هنا(1)، والذي يرى أن الثورة مجرد لعب عيال وأنها تصعد مدارج الفوضى على الطريقة الفرنسية وأن مستقبلها مليء بالدم والغموض ، بينما الأفضل هو الإصلاح على النموذج البريطاني حيث يهبط الإصلاح من قمة الهرم سلساً وملبياً لمطامح الشعوب، وفي هذا مغالطة كبرى ـ فالشعوب لاتذهب للثورة لأنها تشعر بالملل وتريد أن تحظى ببعض الإثاره، ولكنها تذهب لأنها لم تجد خياراً آخر، فكان الأحرى بهِ نصح الحُكم بدلا من نصح الناس  بتهديدٍ مبطن، فالملك الحقيقي دوره تلبية ما يريده الشعب ليجنب نفسه والناس صراعات لاتنتهي، لكن من السذاجة اعتقاد أن السلطة أو الطبقة الحاكمة ستسلم جزءا من سلطتها بحسن نيّةٍ ورغبة ذاتية ما لم تكن مدفوعة بضغط الجماهير.

 وهذا ما حدث في بريطانيا حيث اضطر الملك تشارلز سنة 1642م أمام ضغط الشعب والبرلمان، إلى دعوة البرلمان بشأن الإصلاحات الواجب اتخاذها، وأمام تشنج الطرفين قامت الحرب الأهلية، فتم إعدام تشارلز وخلفهُ ابنه تشارلز الثاني، أما في الثورة الفرنسية فالملك لم يقبل التنازل أبداً مما ادى لثورة عارمة أسقطت الملكية برمتها .فالنموذج البريطاني في التغيير لم يكن نابعاً من وعي الملوك فحسب بل هو نتيجة لصدامات وضغوط تجبر الملك على التخلي عن جزء من سلطته . فالإصلاح يأتي عبر ضغط شعبي من قاع الهرم بالإضافة إلى قرارٍ شجاعٍ من أعلى الهرم، وهذا ما تحمسنا لهُ في مبادرة ولي العهد التي نعتبرها حجر الأساس لإنقاذ البلاد، وخروج ولي العهد من حلبة السياسة لن يقود سوى لفوضى أمنية لاتهدأ ربما تطيح بالملكية على الطريقة الفرنسية ولو بعد عقود، أو تفتح البلاد على احتمالاتٍ لا أحد يعرف مداها وخطورتها والأمر ليس بيد الوفاق أو غيرها كي تتحمل هجمات كتاب السلطة، فخروج جمعية الوفاق عن الساحه السياسية يعني المزيد من التعقيد.


مالم يجد الكاتب مصدراً للعيش يبقيه خارج السلطات جميعها ويضع مسافة نقدية، فإنه سيدور في فلك السلطة ورسالة المثقف الحقيقي هي فضح السلطة، كل سلطة، هراء امتلات بهِ صحف السلطة من كتابٍ لايملكون حتى الموهبة من أمثال الزياتي والبنخليل والشيخ، وأستثني هنا سوسن الشاعر، أستثنيها من أن تكون في قائمة فاقدي الموهبة من كتاب السلطة، لكني لا أستثنيها من جبهتهم.


 مما يدعو لرثاء السلطة حقاً أنْها لا تجد حتى الكفاءات اللازمة للدفاع عنها، فتبريرات هؤلاء لاتحتاج إلى مساجله ثقافية، لأنها قائمة على العصبية القبلية والإثنية والعقائدية، ويغفلون كل ماهو متناقض إن كان في صالح البقاء على أسد البحرين (خليفة بن سلمان)، أما سوسن الشاعر التي  أصبحت تقدم نفسها الآن كصوت للشارع السني، فإنها تتحدث عن أهل السنة والجماعة وكأن الثورة قامت من أجل تغيير في مدارس الفقه، وليست من أجل تغيير الدستور، إن اللعب على الهويات وتحشيد الغرائز العصبية عبر خطاب نحن وأنتم، يجعل كل من يرد على أفكارها وكأنه يرد على طائفة، ووصل بها الأمر حدَّ الشماته من معاناة الناس في قراهم يومياً نتيجة إطلاق القنابل الصوتية ومسيلات الدموع على المنازل، وذلك عندما تمارس أجهزة الأمن العقاب الجماعي على كل منطقة، تتجرأ بالخروج في مسيرة احتجاجية(2) وتحاول تحويل هذا الغضب الشعبي باتجاه المعارضة، وكأنها هي السبب فيما يحدث لهم وليس الدولة.


 وتلجأ سوسن عادةً للتذاكي، وذلك عبر طرح سلسلة من الحقائق منزوعة من سياقها ثم تأويلها بما يخدم أهدافها التي تصب في مقصدٍ واحد وهو(ليس بالإمكان أفضل مماكان) وهي القاعدة التي تتغير بتغير موقف السلطة، مثال ذلك، طرحها لإنجازات الوفاق مأخوذة من كتيب انتخابي لتتساءل بعدها "السؤال الآن إذا كان الأعضاء السابقون قاموا بتلك الإنجازات وبالأدوات السابقة فماذا سيفعل الأعضاء الجدد حين تزيد مساحة وقوة تلك الأدوات"(3) فنزع الحقائق دون ذكر السياق وأصل الحكاية التي ابتدأت في 2002 حيث تمت المقاطعة وطلب  المعارضة البدء بحوار مع الملك والذي تم تجاهله ثم قررت الوفاق المشاركة خضوعاً للأمر الواقع وكل إنجازات الوفاق التي تم ذكرها هي أمور معنوية ولم يتحقق شيءٌ واقعي منها.


 ما حدث في فبراير يجب أن يجعل الجميع يعيد ترتيب أوراقه وهذا شيء طبيعي فالسلطة التي رفضت الحوار طيلة عشرة أعوام، وكانت سوسن من سدنة (الحوار فقط عبر المؤسسات التشريعة) حتى إنها في أغسطس من رمضان العام الماضي مع الحملة الأمنية المفاجئة وغير المبررة كانت تسخر من دعوة المعارضة للحوار بقولها "إذا كنتم لاتعلمون فالحوار هو ابن الجمل" ثم بقدرة قادر تصبح من كهنة الحوار مع بروز ولي العهد في الساحة  في فبراير ودعوته للحوار، وهي الدعوة التي رحبت بها المعارضة من حيث المبدأ مع الاختلاف في الكيفية، والجدير بالذكر أن مجرد قبول ولي العهد بمباديء الحوار السبعة هو إقرارٌ ضمني بأن هذا البرلمان غير كامل الصلاحيات وأنَّ هذهِ الحكومة لاتمثل الإرادة الشعبية، ثمَّ إذا كانت تلكَ هي إنجازات الوفاق في برلمان أعرج فكيف ستكون إنجازتها في برلمان حقيقي وحكومة وطنية، فالحجة  إذن ترتد عليها من حيث لاتشعر فمالذي يمنع تحقيق مزيد من الإنجازات، إن تحققت فعلاً ، في برلمان كامل الصلاحيات .


 إن ثورة فبراير حدث سياسي ضخم يستلزم إعادة تقييم في المشهد السياسي كما فعل ولي العهد في مقابلته التلفزيونية مع سوسن، حين سألته ولماذا لم تتقدموا بالحوار من قبل فأجابها بكل عفوية (ما قط حصل مثل هالشي بهالحجم ) فمعالجة أي مشكلة تبدأ بالنظر في الوقائع دون تجاهلها كما حدث في التسعينات حيث دخلنا في دوامة  غاندي لأكثر من مرة "في البداية يتجاهلونك ثم يحاربونك ثم يحاورونك ثم تنتصر" حيث لجأت السلطة لهذهِ الخطوات عدة مرات وفي كل مرة تعود للمربع الأول ـ التجاهل ـ فكانت الجرائد تكرر كل أسبوع بأن الأمن قد عاد وقد فشلت المخططات، فإذا كان الأمن قد عاد لماذا تتكرر هذهِ الأسطوانة كل أسبوع، والآن بعد الحملة الأمنية  قبضة المشير (المشير إلى جهة الخراب) تريد أن تعود السلطة إلى صمخ النواخذة كما في التعبير الدارج، لندخل في دوامة غاندي المرة تلو الأخرى!


وكما أن المعارضة تضم جميع الأطياف فالسلطة أيضاً تضم نماذج لجميع الأطياف، مما يؤكد أن المتمصلح من هذا النظام سيقف معه وغير المستفيد سيقف ضده، فما يصنع وعي الأفراد لاتخاذ موقف في التحليل النهائي  هو اقتصادي اجتماعي، فكتاب التنوير والليبرالية في جريدة الأيام، أصبحت الليبرالية لديهم مجرد كأس وديسكو، هذهِ هي المنجزات والمكتسبات الحضارية للبحرين، أما الحرية السياسية والمزيد من التمثيل الشعبي فإنها لن تجلب سوى الظلاميين، يقدسون الحرية الشخصية   في حدودها الحسية، بينما يتماهون مع خطاب السلطة في عدم إطلاق الحريات العامة، بينما الحرية هي كلٌّ لايتجزأ، وقد أختلف أو اتفق معهم، لكن الليبرالية هي التي تقدس الإنسان باختلاف دينيه ومذهبه وأصله، والليبرالية تقف مع آليه تمنح القدرة على التغيير حيث يمكن للتقدميين أن يحدثوا التغيير بشكل ديمقراطي ثقافي وليس عبر فرضه بالديكتاتورية، خصوصاً وأنَّ السلطة أثبتت عبر تحالفها مع السلف أنها لاتمثل التقدم إلا في أسوأ صوره المبتذلة، وأما استرخاصهم لدماء الضحايا بحجة أنهم ظلاميون فليس سوى لعبة تبريرات عقليه هدفها إسكات الضمير، فالضحية عندما تموت ليس لديها أفكار نتفق أو نختلف معها، إنها جثه تفتح عينيها على خواء حياتنا .


  1. صحيفة الأيام العدد 8130
     
  2. صحيفة الوطن الثلاثاء 9 أغسطس2011
     
  3. صحيفة الوطن 22 أغسطس2011
     


التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات

comments powered by Disqus