افتتاحية مرآة البحرين: أيها الملك.. اسمع حكاية البوم!

10/09/2011م - 12:04 م - 11231 قراءة

نسخة للطباعة حفظ الموضوع أرسل الى صديق



من معرض الإنتاج الحيواني!

اسمح لنا يا جلالة الملك، فلم تبقِ لنا الأيام التي نعيشها الآن، مكاناً للمجاملة والكلام الموارب، وإذا امتنع مستشاروك كثيرو العدد، عن أن يصدقوا ضمائرهم ويصدقوك النصح، خوفاً من فقد مناصبهم أو مصالحهم، فنحن هنا، لا نملك مصلحة نخاف أن تتضرر، ولا منصباً نخاف أن نفقده، لذا سنقول لك ما بضمائرنا فقط .

اسمح لنا بهذه الحكاية التي ربما تكون قد قرأتها، ولن نبذل جهداً في تأويلها، فهي تُأول لنفسها بنفسها . يسميها ابن خلدون حكاية البوم(1)، ينقلها عن المسعودي، وهو يشير إليها في مقدمته مرتين، لشدة إعجابه بها، ثم يكررها في تاريخه .

ملخص الحكاية أن أحد ملوك فارس القديمة، وهو الملك بهرام بن بهرام، انصرف عن تدبير شؤون مملكته، وتركها تحت تصرف زمرة فاسدة ظالمة، حتى شمل الخراب أرجاءها، ولم يقدر أحد على مصارحته خوفاً . خرج ذات يوم في هدأة الليل الرائق برفقة كاهن عظيم، طلبه الملك ليسمع منه ما يتفاخر به عن تاريخ أسلافه ( الملك ) ، وفيما هما يمشيان، مرا ببعض الخرابات والأطلال، وسمعا صوت بوم ينعب، وبوم آخر يجيبه من مكان مقابل . تمنى الملك أن يكون أحد أفراد حاشيته قد أُعطي منطق الطير ليفسر ما قالا، ووجد الكاهن أنه الوقت المناسب لمصارحة الملك، قال : هذا صوت بوم ذكر طلب الزواج من بومة أنثى، فشرطت عليه خراب عشرين قرية مهراً لها، فأجابها البوم من الناحية المقابلة : إن ذلك من أيسر ما يكون إذا استمر حكم الملك بهرام، بل إن البوم وعدها أن يعطيها ألف قرية بدلاً من العشرين . ثم سألها : لماذا تريدين عشرين قرية خربة؟ أجابته البومة : أريد أن أطمئن على مستقبل فراخي بتوفير خرابات مناسبة لسكناهم.

أيها الملك، منذ أن أطلقت يد العسكر تدير شؤون مملكتك بالكامل، وانصرفت أنت عن تدبيرها والانصات لمعاناة شعبها، فقد صار الخراب عنواننا الجديد والوحيد. الخراب في اللغة ضد العمران، والعساكر لا يجيدون من المواجهة غير لغة القصف، القصف الذي يقوّض العمران، ويشيع في المكان الدمار . وها هم العساكر قد أشاعوا في البلاد الخراب، خراب السياسة وخراب الحرية وخراب الاقتصاد وخراب الصحة وخراب التعليم وخراب الأيدي العاملة وخراب الأرزاق وخراب الإسكان وخراب الثقافة وخراب التعددية وخراب المواطنة وخراب المواطن، وفوق كل هذا، خراب الأخلاق وخراب المبادئ وخراب القلوب، وأخطرها جميعاً، خراب الإنسان، ماذا بقي؟ لقد قصف العسكر كل ماكان جميلاً في هذه المكان، قصفوا كل ما يشير إلى صورة حراك حيوي عُرف به هذا البلد وتفرّد به أهله، ولم يَبق غير صورة حراك القمع المطلق للنظا، وسوءات الأحقاد المكارثية . لم يبق غير صورة الخراب، أيها الملك، وأنت ترى، وكأنك لا ترى.

كأنك أيها الملك لا ترى، أن هذا البلد، لم يعد مكاناً آمنا للإنسان الذي يحمل همّ المدنية والحضارة، بل للبوم الذي لا يستبشر بغير الخرائب . فالإنسان حيث العمران، والبوم حيث الخرائب، لا يجتمعان في مكان واحد، لأنهما نقيضان . الإنسان والبوم لا يوجد أحدهما إلا في غياب الآخر . "كل خراب هو علامة على غياب الإنسان عن مكان معين سبق أن كان حاضراً فيه" كنا إنساناً نحضر وسط مدينتنا، نحمل هم عمرانها ونحلم بجعلها مدينة أفضل، نعد لمستقبل فراخنا ( نسلنا ) بتراكم عمران الدولة المدنية التي تحترم إرادة الإنسان وتحترم حقوقه وحرياته الدينية والسياسية وتوفر له العدالة المجتمعية والمساواة . تعلم أيها الملك، أنا لم نطلب أكثر من هذا، لكنك عوضاً عن أن تطلق إلينا يد عمرانك، أطلقت علينا يد عساكرك ورصاصه، وأعطيت الأمان للبوم، وتركتهم يتكاثرون وينعقون، وتركت العساكر تؤمّن لهم الخرائب والساحات والأسلحة وكتاب الهوية الأحمر اللون. وانحسر الإنسان، فليس مثل حضور البوم علامة على انحسار الإنسان وغيابه، لقد صار البوم مواطنين صالحين شرفاء، وخوِّن الإنسان، أيها الملك، وأنت ترى، وكأنك لا ترى .

أيها الملك، لا نعرف أي خرابة تريد أن تكون ملكها؟ وأي خرابة تريد توريثها لولي عهدك؟ وأي خرابة ستمثلها بحضورك أمام محافل الدول المحتضرة التي تحتفي بمدنيتها وعمران إنسانها. لا نعرف، حين يتحدث هؤلاء عما وصل إليه الإنسان في بلدانهم من تقدم وتحضر ومدنية ورقي وثقافة وتحرر، كيف ستتحدث أنت عما وصل إليه البوم في بلدك من نعق الخرائب .

أيها الملك، قد تسأل عما حدث في حكاية الملك بهرام بعد تلك الليلة ، في صباح اليوم التالي يدعو الكاهن ليكاشفه بالحقيقة، ثم يطلب منه أن يدله على الكيفية التي يعالج بها الخراب، يقترح عليه الكاهن أن يعيد الأملاك إلى مستحقيها، وأن يباشر حقوق الناس، فقد هجر الناس الدولة بسبب الخراب وغياب العدل، يقيم الملك ثلاثة أيام تصحيحاً للموازين الخاطئة، وتؤخذ الضياع من المقربين والحاشية، لتعاد إلى أصحابها الشرعيين، ويعود العدل إلى الإمبراطورية، ويصبح الرعية وكأنهم في عيد. فهل تملك جرأة بهرام أيها الملك؟

  1.  حكاية البوم. كتاب خزانة الحكايات.


التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات

comments powered by Disqus