ائتلاف ثورة 14 فبراير سيرة مختصرة

02/01/2012م - 12:43 م - 3590 قراءة

نسخة للطباعة حفظ الموضوع أرسل الى صديق




مرآة البحرين(خاص): إحدى الحقائق التي أبرزها الربيع العربي هي ظهور فاعلين جدد على الساحة السياسية ينافسون الفاعلين التقليدين سواء كانوا شخصيات سياسية أو أحزاب وحركات وجماعات سياسية تمتهن امتهنت العمل السياسي منذ فترات طويلة. وغذا ما عرف الربيع العربي بأنه زمن جديد فإن الفاعلين فيه هم فاعلين جدد أيضا لهم مطالبهم وأدواتهم وطريقتهم الخاصة في ممارسة السياسة وصياغة تطلعات اجتماعية تدور حول الحرية والكرامة والعدالة. الفاعلون الجدد يمثلون تشكيلات  شبابية غير متجانسة اجتماعيا أو سياسيا  يرتبطون عبر وسائل الاتصال الحديثة خصوصا الفيس بوك والتوتير هدفهم الوحيد هو استبدال الانظمة السياسية القائمة بأنظمة ديمقراطية حديثة.
لقد استطاعت هذه التشكيلات الشبابية غير المتجانسة  الإطاحة بأعتى المستبدين في العالم العربي في فترة قصيرة جدا لم تتجاوز الشهر في تونس ومصر وعلى إثر تلك النجاحات تصاعدت تشكيلات شبابية في بلدان عربية أخرى لتحقيق نتائج على غرار ما حدث في تونس ومصر.

البحرين واحدة من تلك البلاد التي تأثرت كثيرا بمد الربيع العربي إذ استطاع الشباب وبسرعة فائقة من تنظيم أنفسهم على الانترنت وتحديد يوم غضب بحريني لا يزال مشتعلا  منذ انطلاقته في يناير 2011. يقودنا هذا إلى التأكيد على أن ما حدث في البحرين من ثورة ويوم غضب لم يكن ليحدث لولا وجود هذه التنظيمات والتشكيلات الشبابية الصاعدة والمؤثرة في تحريك الأوضاع بفعالية أكبر من الفاعلين القدماء والفاعلين التقليدين. وفي الحقيقة فإن تاثير التنظيمات الشبابية في معظم بلاد الربيع العربي كانت أقوى جماهيريا وأشد حماسة وتصلبا في المطالبة بالديمقراطية الحقيقة من الفاعلين التقليدين عبر شعار واضح هو الشعب يريد إسقاط النظام الذي تحول لحركة ميدانية تنتج ممارسات غير مالوفة في العمل السياسي ومكثفة لممارسات سياسية تقليدية.

في يناير وقبل استقالة حسني مبارك بدأ الشباب في بث دعوات يوم غضب بحريني من قبل مجموعات شبابية منشغلة بالهم السياسي البحريني وهنا نلحظ أول فارق نوعي بين تشكيلات الشباب في مصر وتونس مثلا وبين تشكيلات البحرين، فالغالب على مصر وتونس هم الفئة غير المسيسة أما في البحرين فهم معتقلون سابقا أو ناشطون ميدانيا في الحراك السياسي القائم منذ 2007. الدعوة ومضمون الخطاب مثّل فارقا نوعيا آخر هو البدء بالسياسة في البحرين وليس بالأمور المعيشية والاقتصادية كما في مصر وتونس. الفارق الثالث والأهم أن مجتمعات الربيع العربي كانت مهزومة حزبيا والجماعات السياسية شبه منبوذة في الأوساط الشعبية، في حين أن صغر مساحة البحرين وحداثة عهدها بالتنظميات السياسية العلنية وتغلغل بعضها في الاوساط الاجتماعية أعطى لبعضها مثل جمعية الوفاق قوة ضخمة لا يستهان بها.

صبيحة 14 فبراير 2011 كان شباب ثورة 14 فبراير متهيئين تماما لدخول زمن الثورة ميدانيا وإعلاميا ونجحوا في ساعات قليلة في إخراج ملك البحرين متأسفا وواعدا بالإصلاح وكان هذا مكسبا لزيادة الزخم الجماهيري وتدافع الناس لنقطة التجمع المركزية التي حددها الشباب وهي دوار اللؤلؤة وسط العاصمة. كلفت عملية الوصول للدوار ونصب خيام الاعصام الدائم شهيدين والعديد من الجرحى. وقبل هذا النجاح حقق الشباب نجاحا أكثر أهمية وهو القدرة على قيادة الأحداث وتوجيهها وإبقاء الجمعيات السياسية والمرجعيات الدينية في موقع الداعم والمساند وهو ما وفر للتشيكلات الشبابية منطقة خاصة في المجال السياسي وأصبح أمراً واقعياً الحديث عن تشيكلات شبابية بجانب جمعيات سياسية.

المطالب التي رفعت قبل يوم الغضب من قبل التنظيمات الشبابية كانت إصلاحية لكنها متقدمة وكان أبرزها الدعوة لكتابة دستور عقدي للبحرين يضمن الفصل الحقيقي بين السلطات الثلاث ويضمن استقلالية وشعبية السلطة التشريعية والقضائية، إلا أن هذه المطالب سرعان ما شهدت تغييرا جوهريا بعد الخميس الدامي 17 فبراير تحت عنوان "من بعد الخميس أوقفنا الكلام الشعب يريد إسقاط النظام".

رغم نصب الخيام وإقامة الاعتصام الدائم في الدوار لم تظهر تلك التشيكلات بشكل علني أو بشكل منظم تماما، استغرق الأمر بعضا من الوقت. من الممارسة العملية اليومية في دوار اللؤلؤة كانت تظهر تسميات عديدة وتدور أحاديث علنية وغير علنية حول الأيام المقبلة وكيفية التعامل مع المتغيرات خصوصا مع تزايد الحضور  الجماهيري في الدوار واعتلاء المنصة فيه. بعد يومين من الاعتصام كانت الحكومة مستعدة للإجهاز على الاعتصام ومن فيه عبر عملية شاملة. حوصر المحتجون ومُنعت الأطقم الطبية من الوصول إليهم، وانتشر الجيش في العاصمة وضواحيها. عملية وحشية دفعت بالمعارضة إلى الانسحاب من مجلس النواب.وسط تنديد محلّي ودولي أمام استباحة الدماء، أطلق وليّ العهد مبادرة للحوار بتكليف من الملك وبترحيب دولي وخليجي، وأمر بسحب الجيش من العاصمة. عاد الهدوء الحذر، واستعاد المحتجّون شارعهم ودوارهم.

 قادت الجمعيات السياسية فترة ما بعد المجزرة فقدم أعضاء جمعية الوفاق استقالتهم من مجلس النواب وتصدروا التصريحات الإعلامية، لكنهم لم يكونوا ميدانيين فنشطت التشيكلات الشبابية مرة أخرى وبكثافة في الدعوة للعودة للدوار والإعلان عن بداية مرحلة جديدة تحت شعار الشعب يريد إسقاط النظام، وهنا بدأت هذه التشيكلات أكثر وضوحا وتمايزا عندما استطاعت أن تعود للدوار وتجبر القوات الأمنية وقوات الجيش البحريني على التنازل والانسحاب وأن يظهر ولي العهد مباشرة على تلفزيون البحرين، يدعو للحوار وسحب القوات من الشوراع والسماح بالتظاهر.

أضاف مشهد تصدي شباب ثورة 14 فبراير لقوات الجيش وكسر حاجز الخوف قوة سياسية وقيادية للتشيكلات الشبابية، وإليها نسب فضل العودة للدوار مرة ثانية وبدلا من إشعال يوم غضب واحد تحول المطلب لمطلب ثوري بامتياز. لقد استطاعت ديمقراطية الدوار أن تكون ديمقراطية حقيقية تسمح بالتعددية والحرية في طرح الآراء مهما كانت فطرحت الجمعيات السياسية مطالبها ممثلة في الملكية الدستورية وطرحت التشيكلات الشبابية رؤيتها السياسية ممثلة في بيان سياسي بتاريخ 19 فبراير موقع من ( شباب 14 فبراير أحرار 14 فبراير / دعم 14 فبراير / شهداء 14 فبراير/ شباب ميدان الشهداء) طالبوا فيه :

أولا: الإطاحة بنظام آل خليفة القمعي بالكامل، فلا ملكية دستورية ولا دستور عقدي، فالشعب هو الذي سوف يختار النظام الذي يخضع له ويصيغ دستوره، في عملية استفتاء عام تحت إشراف منظمات وهيئات مستقلة محلية ودولية.

ثانيا محاكمة أزلام النظام الخليفي ومرتكبي المجازر على جرائمهم ضد شعب البحرين، ومحاكمة العصابة والتنظيم السري الذي تم الكشف عنه في تقرير البندر والإطلاق الفوري للمعتقلين السياسيين، وتعويض أسر الشهداء بتعويضات معنوية ومادية ورد الاعتبار لهم.

ثالثا: استعادة ما تمّ سرقته من قبل أزلام النظام من أموال وأراضي لخزانة الدولة.

رابعا: إلغاء جميع ما تمّ من تجنيس سياسي على أساس طائفي وسياسي وإيقاف محاولات التغيير الديمغرافي

خامسا: إلغاء جميع أشكال التمييز والتهميش وإقامة نظام عادل قائم على التساوي بين المواطنين.

سادسا: تشكيل جيش شعبي من المواطنين وإقالة المرتزقة والأجانب من الجيش الحالي ومحاسبة الذين قاموا بالمجازر الجماعية ضد شعبنا في يوم الخميس الدامي والجمعة السوداء.

سابعا: تشكيل حكومة انتقالية سريعة تمهيدا للحكومة الوطنية القادمة التي تمثل الشعب تمثيلا عادلا، وضع جدول زمني لكل التغييرات والإصلاحات المطلوب القيام بها.
هكذا إذن وتحت فوهة البنادق والمدرعات تشكل أول تنظيم شبابي موحد وبرز كفاعل جديد في المجال السياسي وبتسارع الأحداث السياسية، تأكدت قوته السياسية والميدانية إلا أن ثمة مفصلين أبرزا الإئتلاف كقوة ملموسة ومؤثرة وذات وزن شعبي وقيادي.

الأول: توسع الفعل الثوري خارج منطقة الدوار.
الثاني: إخلاء الدوار وإعلان السلامة الوطنية.

في الحدث الأول كانت وجهة نظر الجمعيات السياسية المعارضة هي البقاء في منطقة الدوار والإبقاء على مظاهر الاعتصام السلمي فيها، في حين أن دعاة يوم الغضب 14 فبراير كانوا يرون أن أسلوب الضغط الشعبي يحتاج لمزيد من التوسع وإثبات القوة، وهذا لا يحدث إلا عبر ضخ مزيد من الفعاليات المساندة للاعتصام المركزي. كان هذا الاختلاف متوقعا وضروريا لتمايز ائتلاف 14 فبراير عن سائر القوى السياسية التقليدية القديمة، بما فيها الحركات غير المرخصة كحركة حق وتيار الوفاء. بالإضافة لذلك فإن ضغط العنصر الزمني بدأ يأخذ مداه مسببا بلبلة في الوسط الشعبي حول وجود مفاوضات وخطط  لإنهاء الزخم الثوري.

ابتدأت أفعال ائتلاف 14 فبراير بالدعوة لمسيرات أسبوعية في مناطق حساسة وتسير مظاهرات ضخمة من الدوار لتلك المناطق والمراكز الرسمية مثل مبنى الأمن الوطني ومبنى تلفزيون البحرين  ومبنى وزارة الداخلية والديوان الملكي وأقواها محاصرة قصر الصافرية. وفي الحقيقة كانت هذه المسيرات الجماهيرية أفعالا سياسية تؤكد تمايز الفاعلين الجدد عن نظرائهم التقليدين وترسخ مطلبهم القاضي بإسقاط النظام كخطوة أولى لبناء الديمقراطية والدولة الحديثة.

الحدث الثاني  كان أصعب الأحداث التي مرت بها ثورة البحرين وأقسى الفترات التاريخية التي لم تمحى من ذاكرة الشعب، فقد دخلت الثورة في مرحلة جديدة من العقاب والتدويل. أُعلنت الأحكام العرفية، وسُلّمت البلاد إلى قوة الدفاع بقيادة خليفة بن أحمد، شقيق رئيس الديوان خالد بن أحمد، الجناح المتشدّد الذي يتبع نايف السعودي، وتوارى وليّ العهد عن الأنظار، مع ذلك فقد ظل هذا الحدث منقسما على نفسه مراكما أحداثا وسياسات قديمة وجديدة فقد وجد الائتلاف نفسه أمام ثلاثة تحديات صعبة أولها التحدي الأمني القمي والهجمة الوحشية الطائفية، والثاني تضاد الرؤية السياسية بين مطلب الجمهورية ومطلب الملكية الدستورية، أما التحدى الثالث فهو تحدي البقاء والقيادة لجماهير ثورية.
 
تحت كل عنوان كانت العناوين تكثر وتتضخم بتضخم الأحداث ومرارتها من جهة وتشابه الظروف والاستجابات من جهة ثانية. ابتدأ الائتلاف في مواجهة القمع الأمني والاحتلال بمسيرة من الدوار ناحية السفارة السعودية، وبدلا من الدخول في سجال سياسي مع الأطراف المعارضة أعلن عن أحقية تقرير المصير كخطوة متوازنة لا يسقط فيها مطلب الجمهورية ولا يقع تحت سقف الملكية الدستورية وأثبت في فترة السلامة الوطنية وما بعدها قدرة فائقة على إدارة الصراع مع القوات الامنية والحفاظ على الروح الثورية لدى الجماهير المنطوية تحته وعلى الآخرين الذين يختلفون معه.

 ومن الطبيعي أن طول مدة القمع واشتداد حدته من شأنها أن تخلق تباينا في أدوات النضال والمواجهة وهو ما أدى بالفعل لتخلى بعض فصائل الائتلاف عن مطلب إسقاط النظام وتأيديها لما عرف بوثيقة المنامة التي طرحت من قبل الجمعيات السياسية المعارضة وهو ما تأكد بعد الإعلان عن توصيات لجنة بسيوني حيث أصبحت تلك التوصيات بمثابة السقف الأعلى للجمعيات السياسية في حين اعتبرها الائتلاف احتيالا والتفافا على مسيرة الثورة وتضحياتها.


التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات

comments powered by Disqus