»

في صحة الطائفة: الخدمات الصحية في البحرين

12/02/2012م - 4:52 ص - 4939 قراءة

نسخة للطباعة حفظ الموضوع أرسل الى صديق




مستشفى الملك حمد الجامعي


عزيز علي*

لم يتصور أحد قبل عام من الآن، ماسيؤول إليه حال الخدمات الصحية في البحرين من تدهور وتراجع خطير في جوانبها المختلفة! فالمتتبع للخدمات الصحية في البحرين عبر عام كامل -كانت بدايته 14 فبراير 2011م ولن تكون نهايته 14 فبراير 2012م- يرصد ذاك التراجع الخطير والممنهج في تقديم الخدمات الصحية لطالبيها في البحرين عبر مواقف وقرارات من السلطة دون مبالاة بمهنة إنسانية تقدم لمن يحتاجها دون قيد أو تعدٍ! ولك عزيزي القارئ أمثلة لا يمكن لعين بصيرة أو قلب وإن كان قاسيا أن يتجاهلها:

أولا: كان البحرينيون يعانون من وجود مستشفى  حكومي عام وحيد يوفر لهم كامل الخدمات - وهو مستشفى السلمانية الطبي الذي افتتح في عام 1979م وتوسع ليصبح مجمعا صحيا ضخما يضم 1200 سرير ويعمل به 5000 موظف من عاملين صحيين ومساعدي خدمات صحية- وفجأة أصبح يسيطر عليه الجيش منذ مارس 2011م ويعسكر فيه وينتشر داخله، بل ويحقق مع كل مريض يصل إليه، ويعتقل فيه المصابون الذين يضطرون للعلاج مرغمين لعدم وجود مستشفى آخر! في تجاوز سافر لحق المرضى للعلاج بحرية وإنسانية وتغاضي وتستر من مسؤولي وزارة الصحة.

المستشفى يدار بعسكريين يرتدون ملابس مدنية وينسقون باستمرار مع الجيش ووزارة الداخلية، ولكم شاهد في حادثة موت الشاب المصاب محمد يعقوب منذ أيام بعد تعذيبه من قبل قوات الأمن البحرينية والتحقيق معه لساعات وهو في طوارئ المستشفى  حتى تدهورت حالته وفارق الحياة.

كل ذلك أدى لتدهور خدمات هذا المستشفى وتجنب المرضى والمصابين الذهاب إليه خوفا من الاعتقال ومضايقات نقاط التفتيش التي تحيط به وتتوزع داخله! فمن يحتل الان مستشفى السلمانية ويمنع العلاج؟

ثانيا: عدد المستشفيات الحكومية التي تتوافر فيها الخدمات الكاملة في البحرين اثنان لا ثالث لهما: مجمع السلمانية الطبي، والمستشفى العسكري الذي يديره الجيش منذ تأسيسه ويحرم منه أبناء الوطن، وهو باق كذلك حتى يومنا هذا. لكن ما طرأ هو افتتاح مستشفى ثالث جديد في 6 فبراير 2012م تحت مسمى مستشفى الملك حمد الجامعي في البسيتين والذي وعد بأن يكون عاما لكل أفراد الشعب، إلا أن السلطة قررت أن يكون لأهل المحرق فقط (الأغلبية سنية فيها) وتحت إدارة الجيش كذلك! في استمرار للتمييز الطائفي في تقديم الخدمات الطبية وعسكرة المستشفيات. وبدلا من وجود مستشفى عام حكومي واحد لخدمة الشعب يدار بواسطة وزارة الصحة قبل مارس 2011م، أصبحت المستشفيات الثلاثة(السلمانية، العسكري، حمد الجامعي) تحت سيطرة الجيش في إلغاء تام لوزارة الصحة وطأفنة الخدمات الصحية في البحرين. فمن ميز في الخدمات الطبية على أسس طائفية؟

ثالثا: تم فصل الكثير من العاملين الصحيين في البحرين من أطباء وممرضين ومساعدين طبيين من طائفة واحدة (الشيعة) بما فيهم عمال المطبخ والصيانة والحراس المدنيين لمستشفى السلمانية والمراكز الصحية المختلفة. إنه تعدٍ سافر على حقوقهم وحرمان ممنهج لمرضاهم من خدماتهم دون اعتبار لحق العلاج وجودته أو حاجة البحرين لهم، فأصبحت أغلب التخصصات شبه خالية من متخصصيها ولكم مثالان لتوضيح ذلك: أفرغ قسم العناية القصوى من استشارييه فاعتقل اثنان وهجر ثالث (والثلاثة يحاكمون!) فاضطر الرابع للهجرة اختيارا وهروبا من ضغط العمل الرهيب الذي لايتحمل مسؤوليته، فاصبح أحد أهم الأقسام خاليا ليس فيه مختص، دون مراعاة للمرضى والمحتاجين! وكذلك الحال في قسم جراحة المخ والأعصاب وجراحة الأسنان وووو...الخ. فمن لا يقدم الخدمة للمرضى لاعتبارات غير مهنية واخلاقية؟

رابعا : تم إبعاد الكثير من الأطباء والممرضين والإداريين من الطائفة الشيعية خصوصا من مناصبهم التي هم فيها منذ سنوات -وكانوا يديرونها بكفاءة - إلى مناصب أقل وأماكن اخرى دون مراعاة لكفاءاتهم أو تخصصاتهم. فرغم إن الكثير من الأطباء كانوا رؤساء أقسام ومراكز صحية، الا ان التمييز الفاقع والانتقاء الطائفي والانتقام الاعمى  قد استهدفهم فأصبحوا إما مفقودين أو موقوفين أو يعملون في غير مواقعهم، وهو بالضبط ماحدث لممرضات متخصصات كثيرات في الطوارئ وقسم العناية القصوى للقلب وجدن أنفسهن في مستشفيات رعاية كبار السن أو الطب النفسي الذي لا يفقهون فيه شيئا. فمن حرم المرضى من خدماتهم وأقصى شريحة بدوافع طائفية وانتقامية؟

خامسا: لم تسلم المستشفيات الخاصة من رقابة وزارة الداخلية والجيش منذ مارس 2011م، فقد حوصرت وهدد مسؤولوها وتم تتبع مرضاها ومنع المصابين من العلاج فيها أو اعتقلوا وهم بين الحياة والموت! بل أصبح طلب كيس دم لمريض تهمة يحقق فيها مع الطبيب والمسعف والمريض! وما الخطاب المرسل من د. بهاء فتيحه (رئيس هيئة المهن الطبية) ذي الخلفية العسكرية والذي يطلب فيه من هذه المستشفيات الإخبار عن أي مصاب، إلا حلقة جديدة من حلقات ملاحقة المرضى والجرحى ومنع الأطباء من معالجتهم بغية اعتقالهم والحد من علاجهم.

 كل ما ذكرته يمثل الشيء البسيط من التدهور والانتهاكات التي تمارس بحق الخدمات الصحية في البحرين، وخروجها من حقل المهنة الإنسانية، إلى حقل  إذلال المرضى والأطباء والممرضين على أساس طائفي دون مراعاة لحقوق إنسانية، كفلها الشرع والمواثيق الإنسانية وأخلاقيات المهنة.

*طبيب بحريني.


التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات

comments powered by Disqus