أوراق 2016: معركة الدراز: اعتصام مفتوح، وحصار مفتوح

2017-01-01 - 3:53 م


لإظهار (الخط الزمني) في صفحة كاملة، اضغط هنا

مرآة البحرين: على مدى نصف عام، ومنذ 20 يونيو/حزيران 2016، أطبقت السلطات الأمنية حصارا تاما على قرية الدراز البحرينية، موطن المرجع الشيعي الأعلى آية الله الشيخ عيسى قاسم.

أُغلقت جميع المداخل والمنافذ المؤدية إلى القرية، ومُنع الدخول أو الخروج منها حتى مشيا على الأقدام، إلا عبر المرور على نقاط التفتيش. وبجدران إسمنتية، أغلقت حتى جنبات بعض الشوارع التي يمكن أن تكون منفذا. كان الحصار الأشد والأطول الذي يفرض على قرية بحرينية، على مر تاريخ البلاد.

بدأ الحصار الذي استخدمت فيه المدرعات وعشرات المركبات الأمنية، فور تجمّع آلاف المواطنين تلقائيا أمام منزل الشيخ عيسى قاسم، بعد إعلان السلطات إسقاط جنسيته. الكثير من مظاهر الاحتجاج كان قد تم إخمادها في كافة أنحاء البلاد. لم تسمح السلطات بخروج مسيرة قانونية واحدة على مر عامين، لكنّها واجهت اعتصام الدراز المفتوح، بحصار مفتوح هو الآخر.

وكالات الأنباء الدولية وصفت اعتصام الدراز بأنه انعكاس لمدى الاضطرابات في البحرين. ورغم المنع والحصار، ظل الناس يتوافدون على الاعتصام بكثافة، وعلى رأسهم رجال الدين الشيعة. سيطر الغضب على الشارع، ولبس البعض أكفانهم، مستعدين لكل ما هو أسوأ.

لكن الحكومة البحرينية، التي وجّهت ضربات مفاجئة، متعجّلة، ومتتالية للمعارضة وقتئذ، كبست فراملها فجأة، وقرّرت التعامل مع غضب الدراز بشكل مختلف، لكسب الوقت. لم تقمع الاعتصام، ولم تتعرض للشيخ عيسى قاسم، حتى الآن، فيما يبدو أنها ستكون معركة سياسية طويلة الأمد، سيستمر فيها الحصار مفتوحا.

الاعتصام الذي بدأ في رمضان، امتد إلى محرم، حيث أحيى المعتصمون فيه مراسم عاشوراء، إلى جانب منزل الزعيم الشيعي آية الله الشيخ عيسى قاسم، الشارع الذي تحول إلى ساحة اعتصام مفتوح. كما استغل المعتصمون الفرصة للخروج في مسيرات ضخمة بالدراز كل جمعة، وقفت ضد الاضطهاد الطائفي، وعمليات التطبيع الجارية بين حكومة البحرين وإسرائيل، وغيرها.

خلال هذه الفترة، وحتى اليوم، منعت السلطات إقامة صلاة الجمعة في جامع الإمام الصادق بالدراز، وهي صلاة الجمعة الرئيسية لدى الشيعة في البحرين، والتي كان يؤمها سابقا الشيخ عيسى قاسم نفسه. وطالبت السلطات بتغيير إمام الجمعة الشيخ محمد صنقور للسماح بها، ثم قامت باعتقاله هو الآخر، والإفراج عنه بعد يوم. وبسبب محاولات كسر المنع والالتحاق بصلاة الجمعة، اعتقل مواطنون، بينهم مسن وطفل، وأحيل بعضهم إلى المحكمة.  

تعامل الحكومة البحرينية مع الحدث، الذي علّق حملتها القمعية، تجاوز الحصار، ليصل إلى اعتقال ومحاكمة رجال الدين الشيعة الذين قادوا أو حضروا الاعتصام، أو حتى تضامنوا مع الشيخ عيسى قاسم. اعتقل رئيس المجلس الإسلامي العلمائي السيد مجيد المشعل، وحكم عليه بسنتين ونصف من السجن. كما اعتقل عشرات رجال الدين والخطباء الشيعة، وأودعوا السجن هذه المرة بعد التحقيق معهم، ولا يزال عدد منهم يقضي حكما بالسجن بسبب مشاركته في اعتصام الدراز.

وتم التحقيق مع الطبيب طه الدرازي، خليل المرزوق، إبراهيم الدمستاني، وغيرهم لذات السبب، كما حكم على المخرج ياسر ناصر بالسجن عاما كاملا.

وفي تصريح صدر متأخّرا، ولم يتكرّر، قالت الداخلية البحرينية إن حصارها على الدراز جاء بسبب "تجمع غير قانوني داخل القرية". لكن السلطات وبدل فضها هذا التجمّع، عزلت الدراز عن العالم الخارجي بكل ما أوتيت من حيلة.

في كل يوم تصطف السيارات على مدى أكثر من كيلومتر، انتظارا للإذن بالدخول أو الخروج. مُنع الناس من دخول القرية لزيارة أقربائهم في العيد، إلا بإذن من مركز الشرطة! ومع بداية العام الدراسي، اضطر أطفال الدراز إلى تخطّي المدرعات العسكرية للوصول لمقاعدهم الدراسية، في حين قامت عناصر الشرطة بمنعهم من التوجه إلى المدارس مشيا على الأقدام، بعد أن صاروا يصلون المدرسة متأخرين جدا.

عوائل أجّلت حفلات زواجها، محلات تجارية في الدراز أغلقت بعد تكبدها خسائر كبيرة، البريد رفض توصيل المراسلات إلى أهالي الدراز لأنهم "في منطقة غير آمنة"، ومنعت السلطات الأمنية حتى إدخال المواد الغذائية ومياه الشرب للدراز.

وكان الحصار يشتد مع كل جلسة من جلسات محاكمة الشيخ عيسى قاسم، ويصل الأمر إلى منع السلطات  دخول العمّال الأجانب.

حصار الدراز، امتد أيضا إلى الإنترنت. على مدى نصف عام، ظلت السلطات تقطع شبكة الإنترنت عن الدراز والمناطق المجاورة مساء كل يوم، من الساعة 7 إلى 1 بعد منتصف الليل، وهي الفترة التي يصل فيها الاعتصام إلى ذروته، وهو ما سمته إحدى وسائل الإعلام بشن حرب إنترنت على قرية الدراز، خصوصا بعد أن أثبتت اختبارات تقنية أجرتها منظمة بحرين ووتش أن القطع متعمد، وأن السلطات البحرينية تقف خلفه.

مع نهاية العام، كاد الوضع أن يدخل منعطفا خطيرا حين اقتحمت السلطات الدراز بشكل مفاجئ، صباح 21 ديسمبر/كانون الأول 2016، بعدد هائل من المدرعات والآليات الأمنية، وتمركزت عند منزل الشيخ عيسى قاسم. تعالت النداءات والصيحات، وخرجت أعداد كبيرة من الشبان والنساء لمواجهة قوات الأمن، لكن قوات الأمن انسحبت من المنطقة بعد أن قامت باعتقال أشخاص زعمت أنهم مطلوبون.

لا يزال الحدث يلقى صدى في الإعلام الدولي، الذي يرى أن منزل الزعيم الروحي للشيعة، بات مركزا جديدا للاحتجاج والاشتباكات والمواجهة.

عاد المتظاهرون إلى ساحة الاعتصام، وأدّوا صلاة الظهرين. ولقي الحدث استنكار أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله، الذي اعتبر ما حدث في الدراز دليلا على أن حكومة البحرين مصرّة على ارتكاب الحماقات.

نصر الله، كان على رأس الكثير من الشخصيات الدولية التي تابعت وصرحت عن اعتصام وحصار الدراز على مدى نصف عام، مشيدا في أكثر من تصريح بالمعتصمين البحرينيين حول منزل آية الله قاسم، في حين أصدرت قوى التيار الديمقراطي بيانا تدعو فيه لرفع الحصار عن الدراز فورا.

في المقابل، تسرّبت صور من محادثة على برنامج «واتس أب»، يهزأ فيها نائب رئيس مجلس الشورى البحريني جمال فخرو من المعتصمين في الدراز، ويستخف بمعاناة المحاصرين فيها، عبر إهدائهم صورة فتاة عارية!

 


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus