خيوط العنكبوت

إيمان شمس الدين - 24/04/2012م - 9:45 ص - 4149 قراءة

نسخة للطباعة حفظ الموضوع أرسل الى صديق



إيمان شمس الدين*

في دولة، أو لنقل في شبه دولة يَنسِج سياساتِها الداخلية القمع والتعذيب، بلغةٍ تَستلهِمُ من تاريخ الإغارات بين القبائل ثقافةً تشكل لها أُطرها وتحالفاتِها القبلية، وتَرسم سياساتِها الخارجية أفعى البترودولار السامة في تحالف بين ثقافة الإغارة القبلية وحضارةٍ رأسمالية تدّعي إنسانيةَ فلسفتها -إلا أنَّ الإنسان البحريني خارج منظومتِها الإنسانية لا لشيء إلا لأجل النفط الذي أصبح أغلى من إنسان هذا الزمن - في هذه الدولة القبلية التي يتحكّم في كل مفاصلها خيوطٌ كخيوط العنكبوت المتشابكة المصالح والمختلفة المشارب، بين أجنحةٍ يمينية متطرّفة تتحكّم بهذه الخيوط، لتَداخُل مصالِحها الوجودية مع مصلحة وجود ذلك العنكبوت المجاور جغرافيًّا، وأجنحةٍ يسارية مازالت عاجزةً عن قول لا. في هذه الدولة التي يبدو ظاهرُها مخيفًا، تجدُ حضارة إنسانٍ وإنسانَ الحضارة، من رسم لها ماضيها وأوجد لها حاضرَها ويكتُب بالدم مستقبلها.

ثوّارُها جُلُّهم أطباء، ومهندسون، وحقوقيون، وأكاديميون، ونُوّاب سابقون، وسياسيون ومثقفون، ونُخب، وجماهيرُها العريضة من الشباب والشابات الذين يعشقون الحياة، لكنَّهم يريدون أن يرسموا لوجودِهم في هذه الحياة رسمةً مغايرةً عن تلك الحياة التي يعشقها شبّانٌ أمثالُهم. إنَّهم يخطّون بريشتهم رسمتهم التي تُحوِّل وجودَهم إلى ملهمٍ لحياةٍ أساسُها إنسانُ الكرامة، ومدماكها العدالة، وعمدانها الحقوق والمساواة، في لوحةٍ تُشكل نموذجا حيًّا لتشي جيفارا، وللحسين، ولغاندي، وجون لوك الثائر لأجل التسامح، ولمانديلا والإمام الخميني، وكلِّ ثائرٍ لأجل الحرية في لوحة ٍلعشق الحياة مغايرةٍ عن كلِّ لوحات العالم.

إنَّها لوحة تُقدّم نموذجًا لنضالٍ فريدٍ من نوعِه، نضالٌ كانت سلميّتُه شعارًا أحرق خيوط العنكبوت، تلك الخيوط التي حاكتها أطماع تحالف السلطة القبلية مع السلطة الكنسية الدينية، إذ رسمت صورة ولوحة غدا لونُها قاتمًا، لحياةٍ كلُّها كراهيةٌ وحقد، يحكمها السكوت وموت الضمائر، لأنَّ لوحةَ أولئكْ رسمها أُناسٌ متهمون بالمذهبية والولاء للخارج، هذا الزعمُ الذي سئمنا سماعَه، وكذَّبه بسيوني في تقريره نافيًا أيَّ تدخلاتٍ من قِبل تلك الولاءات المزعومة.

خيوطُ العنكبوت المتشابكة رغم أنها تبدو مُعقّدة التشابك، إلا أنَّها واهنةٌ جدًا، لأنّ لوحة الحياة تلكْ تضجُ بالكرامة والإباء، وترسم خطًا مستقيمًا لمسارِ ثورة، نقطةُ وصولِها هي النصر، بالتحوّل السلمي لديموقراطية حقيقية ستشكّل نموذجًا ثوريًّا يُحدث تغييرًا في كل المنطقة .

لقد تحوّل في هذه الدولة الطفلُ إلى منظمةٍ حقوقية متنقّلة، والمرأةُ إلى منظمةٍ إعلامية متنقّلة، وتحالفت فيها الأفكار الإسلامية والعلمانية والدينية والمدنية تحت سقفٍ واحد هو وطن يُنشدون له تحوّله لدولةٍ مدنيةٍ حديثة.

في ثورة الحضارة لأجل الإنسان، لا تلبثُ إلا أن تقف مدهوشًا من الابتكارات والوسائل التي أضافها هؤلاء الثوار على ثقافة الثورة، فغيرَ استخدامِهم للتكنولوجيا الحديثة وتسخيرِها بكُلِّها لنقل الحدث عن قرب لكل العالم بعد أن تجاهلهم جُلُّ الإعلام والعالم، وبعد تواطؤٍ جديد لدول البترودولار ضد الإعلام، الذي يحاول اليوم الوقوف مع الثوار، وتسليط الضوء على فساد أنظمةٍ نَخَرَ سوس العَظَمة والتكبّر والتجبّر في جسِدها حتى تحوّلت لأصنامٍ تُعبد، بطريقة المنع القديمة ظنًّا منهم أن بذلك سيسيطرون على وعي جماهيرهِم متناسين جدًّا أننا في عصرٍ باتت فيه المعلومة تصل بأسهل الطرق، وبات فيه الإنسان يعيش في قرية صغيرة تضُم العالم أجمع.
في ظلِّ هذه الثورة أَدخل المُناضل الحقوقي عبد الهادي خواجة آلية مواجهة جديدة في ثقافة مقارعة الظُلم، حيثُ رفض الحُكم الجائر بحقِّه من خِلال استغلال جسدِه وإرادتِه وما يملك من عزيمة وإصرار للمُضي نحوَ الموت كالاستشهادي الذي يُفجّر نفسَه في وسط عدوٍّ غاشم مُوغلٍ في الظُلم، ليهب لشعبِه حياة عزّةٍ وكرامة. إلا أنَّ الفرق هو  إصرارُ الخواجة على سلمية رفضه واستشهاده في وجه عدوه ولكن كيف؟

أضربَ عن الطعام تحت شعار الحرية أو الاستشهاد مستخدمًا موقعيّتَه الحقوقية العالمية في الضغط على السلطات لأجل تحريرِه، ليزيدَ من فتح نافذة الأمل أمامَ الصامدين من أبناء شعبِه، حتى يحققوا المطالب الُمحِقّة، فإن حرّروه زادَ بذلك إصرارُ الشعب على الإنجاز، وإن استُشهِد تحوَّل جسدُه إلى الشُعلة التي ستُفجّر بركان الغضب على هذا النظام المتغطرس. وما كان يُفترَض أن يتحقّق بمدةٍ زمنية طويلة، سيطوي جسدُ الخواجة آلةَ الزمن ليُقرِّب إنجاز الوعد للثوار .

إنّها البحرين بشعبٍ ثائرٍ مُتحضّر، حوّل الكلمة إلى موقفٍ وسلاح ، والجسدَ إلى وسيلةِ قربٍ للإنجاز، والإنسان إلى أصل يجبُ أن يحيا بكرامة ليموت واقفًا مُنتصبًا، أو يحيا عالي الهامة.

إنّ كتابة مفاصلِ الثورة المختلفة وتأريخها بشكلٍ موضوعي بات مهمًا، لأنّه يُؤسّس لفكرٍ ثوريٍّ جديد، ويصنع للأجيال ثقافةً رافدة لحضارته، ستُشكّل مُنجزًا تاريخيًا في كلِّ المنطقة. فيما بعد سيتحدّث عنه أجياُل هذه المنطقة بعزةٍ وفخر.

فمهما نجح النظامُ في حياكة خيوطه حول جسد الثورة ، سيبقى بيتُه أوهن من بيت العنكبوت.


Chamseddin72@gmail.com

*كاتبة كويتية


التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات

comments powered by Disqus