اغتصاب الأرض ومن يحتج عليها: قصص الانتهاك والتعذيب في قضية المرفأ المالي

17/05/2012م - 4:39 ص - 7161 قراءة

نسخة للطباعة حفظ الموضوع أرسل الى صديق





مرآة البحرين (خاص):
الواجهة البحرية للمنامة القديمة "الفرضة" حملت ذاكرة الغوص والتجارة، وذاكرة أصوات طرق القلاليف البحرينيين وأهازيج الغيص وحماس الجزافة. لكن المنامة اليوم لا تملك أي منفذ بحري باتجاه الشمال، فالعائلة الحاكمة سرقت سواحل العاصمة بأكملها. لكن أكثر السرقات إيلاما ما اتصل بالتاريخ.

سرق خليفة بن سلمان الفرضة بتاريخها الذي يربط سواعد البحرينيين السمراء، لكنه وعن "الحلال والحرام" دفع دينار واحد مقابل 167 ألف متر مربع، تم تسجيلها لصالح شركة من شركاته تحت اسم شركة المرفأ المالي.

في 2 مايو 2007 افتتح رئيس الوزراء برجين بارتفاع 53 طابقا لكل واحد منهما، يراهما على بعد 2 كيلو متر سكان كرانة الفقيرة. كان اسم "المرفأ المالي" يختزل  سرقة التاريخ والأرض الذي أشرف عليه بن سلمان لأكثر من 40 سنة.

في مارس 2011 رأت حركة الاحتجاجات التي أخذت من دوار اللؤلؤة مركزا لها، أنه لا بد من توسيع دائرة الاحتجاج، ووجدت أن رمز القطاع المالي هو أفضل مكان. الاحتجاج أمام المرفأ المالي سيسلط الضوء على حركة الأموال التي تسيطر عليها العائلة الحاكمة ومجموعة من المتحالفين معها، فضلا عن قربه من مركز الاحتجاج الذي لا يبعد أكثر من كيلو متر، ولكونه أحد الشهود على فساد الحكومة برئاسة خليفة بن سلمان.

اعتصم المحتجون أمام المرفأ، لكن السلطة ضاقت ذرعا بتوسع حركة الاحتجاجات، فهاجمت المعتصمين الأحد 13 مارس، لكنها فشلت في إنهاء الاعتصام، بل دفعت المحتجين كردة فعل على الهجوم إلى إغلاق الشارع السريع بمحاذاته.

كان خليفة بن سلمان يراقب "حلاله" الذي سرقه من الدولة بدينار، تعاطى مع الموضوع كملف شخصي، فقد انفضح الرجل بكشف المعارضة وثيقة شرائه الفرضة بدينار، ووصول حركة الاحتجاجات للمكان يعني كشف حقيقة فساده.

دخلت القوات السعودية، ومنحت أميركا حلفاءها فترة سماح لتصفية الحسابات. أما حساب خليفة بن سلمان كان المرفأ والمعتصمين أمامه، زُج بـ 20 متهما من الأبرياء في قضية "المرفأ المالي" تم توجيه العديد من التهم لهم من بينها استخدام العنف والقوة لارتكاب جرائم والإخلال بالأمن العام. ولعل ذلك ما يُفسر ما رواه المتهمون من تفاصيل مرعبة عن التعذيب الذي تعرضوا له.

كان أحدهم نائما وبجانبه زوجته حينما اقتحم رجال الشرطة غرفته، سحبوه بينما قام آخرون بسرقة المنزل ومحتوياته من مقتنيات وأموال. ويقول "صمدوا عيني وقيدوا يدي، لم أكن أرى أي شيء، رموني فجأة من أعلى سلم المنزل، وبقوة شديدة، أخذت أنزف، قاموا بوضعي في صندوق سيارة".

كان هذا المتهم ملتحٍ بلحية تشبه رجال الدين، لذلك كان الشرطة ينادونه بالشيخ. دخلوا به مركز شرطة القضيبية وهم يصرخون "جبنا لكم الشيخ"، كان يقول: لست شيخا لكن الضرب والتعذيب وحده من يجيب، ويسخرون "ولأنك شيخ كم مرة تمتعت؟".

انقضت ليلته الأولى بالإهانات والضرب، لم يكن يتوقع أن شيئا أمرّ من ذلك كان بانتظاره صبيحة اليوم التالي. بينما كان يتعرض لوجبة صباحية من التعذيب، دخلت إحدى الشرطيات، قالوا لها: هذا شيخ، فأجابتهم: "خلوه عليي أموت في الشيعة يرون ظمأ العطشان".

كان يرى في الضرب شيئاً هيّنا أمام انتهاك جسده، لم يكن يدري ماذا ستفعل، لا زال مصمدا ومقيدا منذ لحظة اعتقاله، نزعت عنه جميع ملابسه، وقامت بحركات مخلة لشرف الإنسانية حتى اغتصبته. لم يكن ليفعل ذلك في حياته، ولم يكن يعتقد أن هناك نساء بهذه الوحشية، لكنها كشفت له عن وحشية أكبر حينما انتهت من اغتصابه لتقوم بصفعه، وصعقه كهربائيا في عضوه الذكري، لم يتحمل ذلك الألم فأغمى عليه لساعتين قبل سكب الماء المثلج عليه.

لم يكن ذلك منتهى الوحشية التي تعرض لها متهمو المرفأ المالي، فأحدهم قال "تعرضت لتعذيب شديد أنا وأحد المتهمين"، ويقول مرتجفا "أمروني بأن أفعل فيه، فرفضت، فأمروا الآخر بأن يفعل بي فرفض أيضا".

ويضيف وعيناه تمتلئ بالدموع "ضربونا بشدة، لكن ذلك لا يهم، فقد استدعوا أحد الجلادين، كان يسمونه "الأسد"، كنا نتوقع أن وجبة مؤلمة من التعذيب تنتظرنا". وأطرق برأسه خجلا وهو يبكي: "لقد فعل فينا". نعم فعل فيهما، فيما بقي متهم آخر مجردا من جميع ملابسه لمدة 15 يوما، لقد اعتقله مجموعة من الشرطة الباكستانيين، كان مصمدا ومقيدا أيضا.

ويقول "كنت عاريا في الحبس الانفرادي لـ 15 يوما في سجن أسري، كنت مصمدا ومقيدا، كانوا يمنعوني من الصلاة، لم أكن أعرف ما هي تهمتي، وكذلك الباكستانيون لا يعرفون تهمتي". ويتابع "كانوا ينوون اتهامي في كذبة لسان المؤذن، وبعد أيام... غيروا لقضية المرفأ المالي". ويقول بألم "بعد أن اتهموني قي قضية المرفأ، تفننوا في تعذيبي، قاموا بإدخال "بيب" أنبوب طويل في فتحة الشرج، كنت أتألم بقوة، وحينما أصرخ يدخلون المزيد"، يقول "صرخت عليهم اللي تبونه بسويه".

ويتابع -وكأن شريط الذكريات يجري في عيونه- أنزلوني ووقعوني على أوراق وأنا مصمد لم أرها، جاءوني في اليوم التالي وقاموا بتهديدي بذات الأنبوب إذا لم أوقع بقية الأوراق، أجبتهم أني مستعد لتوقيع أي شيء وما تريدونه.

كانوا يضحكون، هم لا يريدون شيئا: لا نريد، ما نريده هو أن نستمتع بتعذيبك. ويضيف "وضعوني في حوض ماء مثلج، كنت أرجف من شدة البرودة، كانت أسناني تصك في بعضها، لم أتحمل ذلك، إلا أنهم لم يكتفوا فقاموا بصعقي كهربيا وأنا داخل الماء".

فنون في التعذيب طالت المتهمين في تهمة المرفأ، فنون مختلفة كانت تستخدم ليبرد خاطر الشيخ حتى ولو احترق الأبرياء. "الروبيانة" أحد طرق التعذيب استخدمها الجيش والشرطة في تعذيب المحتجين، ويُعلّق فيها المتهم من يديه ورجليه مجموعين في سقف الغرفة، ويقومون بضربه.

يقول أحد الأبرياء المتهمين في قضية المرفأ لقد تم تعليقي بطريقة "الروبيانة" لعدة أيام، أحسست أن ظهري سيتقطع من شدة الألم. لم يكتفوا بتعليقنا فقط، كانوا يضربوننا بقوة، إنه ألم أخاف أن أتذكره".

أما الآخر كان يقول "لا يمكن أن أنسى، تم اعتقالي من منزلي، تم ضربي وإهانتي أمام عائلتي، وضعت أنا وأربعة معتقلين في صندوق سيارة واحدة، كدنا نختنق". ويضيف "آثار التعذيب واضحة، لا تزال آثار القيود في يدي، وأعقاب السجائر في صدري، لا أسمع جيدا، وحينما تم عرضي على الطبيب الشرعي قال لي أنت كاذب".

لم يذكر الطبيب الشرعي "مصري الجنسية" في تقريره آثار القيد الواضحة التي لا زالت تظهر على رسغي أحد المتهمين رغم مرور أكثر من سنة على اعتقاله وكذلك تكسر أسنانه. بل شهد زورا عندما كتب في تقريره أن آثار التعذيب التي تظهر على ظهر أحد المعتقلين كانت ناجمة عن شعائر العزاء، سأله المحامي في جلسة المحاكمة الأخيرة: وأين دليلك على أن هذه الإصابات ناجمة عن العزاء، هل رأيته يعزي أمامك؟

لم يجب عن السؤال، بل حاول الهروب عن الإجابة، قبل أن يعيد المحامي عليه السؤال مرة أخرى، وتظهر عليه علامات الارتباك والخوف، فقام بالمراوغة قبل أن يباغته المحامي بتقرير طبي من مستشفى القلعة يثبت أن المتهم مصاب بخلع في كتفه لكن الطبيب الشرعي لم يذكره في تقريره.

قال الطبيب إنه لم يلحظ ذلك، هنا تدخل القاضي سريعا لإنهاء الاستجواب... قبل أن يسمح لمتهمي المرفأ ولأول مرة منذ عام بالحديث أمام المحكمة عن الفظائع التي تعرضوا لها. تعذيب وتحرش جنسي، قام به شرطيون وشرطيات تشفيا، فهم لا يريدون شيئا سوى أن تصل للشيخ "خليفة بن سلمان" روايات الانتقام التي شنها رجال المشير ضد أبرياء تهمتهم الوقوف أمام ناطحات سحابه المسروقة.



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات

comments powered by Disqus