البحرين أمام مفترق طرق.. جمود الوضع أو تدهوره أقرب من فرص التوافق

عباس بوصفوان - 17/06/2012م - 3:19 ص - 6300 قراءة

نسخة للطباعة حفظ الموضوع أرسل الى صديق




* عباس بوصفوان



تزايدت المؤشرات بقرب انطلاق حوار بين الحكم وأطراف في المعارضة، يمكن رصدها في التالي:

تصريحات قادة تحالف الجمهورية

عبر القيادي الأبرز في تيار الوفاء عبدالوهاب حسين بأن "هناك مؤتمرا للمصالحة الوطنية، برعاية ولي العهد (الشيخ سلمان بن حمد آل خلييفة)، بمشاركة بعض أطراف المعارضة"، كما نقل حسين الابن عن أبيه، الذي يقضي حكما بالسجن مدى الحياة.

والملفت أن القيادي حسين لا يتحدث عن حوار أو لقاءات، وإنما عن "مصالحة وطنية" بكل ما في المصلطحات من فوارق جوهرية، كما لم ينتقد حسين المؤتمر، وإنما نقل الخبر دون تعليق.

ولا ينفي البيان الصادر، في 13 يونيو الجاري، من تيار الوفاء، الذي يتزعمه حسين، فكرة المصالحة المفترضة، وإن حذر البيان من مغبة كونها تهدف إلى تغييب الملف الحقوقي والقضائي، من أي حلحلة سياسية مرتقبة، ولا أعرف من كتب البيان، في ظل هذا الوضع الضبابي، فنصه ركيك ومتهافت، بعكس ما نعرف من تأصيل يهتم به "الأستاذ"، إذ يبدو البيان وكأنه يعطي أولوية لتداعيات الملف الأمني (انتهاكات حقوق الانسان)، على القضية الرئيسية (التغيير السياسي).

ويمكن إدراج تصريح حسين، ضمن تصريحات أخرى عبرت قيادات المعارضة "الممانعة" المعتقلة ضمن المجموعة المتهمة بالعمل على قلب نظام الحكم. ونقلت صحيفة الوسط عن القياديين في حركة حق حسن مشيمع وعبدالجليل السنكيس قولهما إن «البحرين تحتاج إلى حل سياسي بدلا من المعالجات الأمنية، وجبر الضرر، ومحاسبة المعذبين من خلال لجنة محايدة، وإطلاق سراح جميع من اعتقلوا منذ 14 فبراير/ شباط 2011، وحل الملفات العالقة وتنفيذ المطالب الشعبية، وتنفيذ مصالحة وطنية».

أما الشيخ سعيد النوري، أحد الرموز المعتقلة، فطالب بـ «معالجة الوضع الحالي بإجراء مصالحة وطنية، وبناء مملكة البحرين بشكل مشرف لجميع المواطنين وتعويض المتضررين، على أن يكون الحوار بين المعارضة والسلطة».

ويمكن ملاحظة أن المعتقلين يستخدمون لفظ المصالحة الوطنية، ويمكن للمراقب الزعم أن ذلك يستدعي التساؤل فيما إذا كان الحوار بات ممكنا وقريبا، وأن المعتقلين لا يمانعون ذلك، وإن لم يكونوا طرفا فيه، من أجل إعطاء فرصة لتيار الوفاق والمعارضة الرسمية، بأن تمضي في الحوار دون حرج.

بيد أنه يجدر الانتباه إلى أن مداخلة عبدالوهاب حسين في محكمة الاستئناف ـ في مايو الماضي ـ أصر فيها على مطلب الجمهورية.

تصريحات الوفاق

نقلت مرآة البحرين عن جاسم حسين النائب المعتدل الوفاقي السابق عن أمله بـ "احتمالات التوصل إلى تسوية للأزمة السياسية، تتمثل في المواقف الإيجابية التي اتخذتها السلطات واستعدادها للدخول في مفاوضات مع خصومها، كما أن قادة المعارضة يضغطون الآن من أجل حوار هادف"، عكس ما كان عليه الحال قبل نحو عام.فضلا عن ذلك، فإن الخطاب الوفاقي لا ينفك مرحبا بالحوار من دون شروط.

إشهار مؤسسة المصالحة والحوار

أعلن سهيل القصيبي، الشخصية المعتدلة المقربة من ولي العهد، تأسيس "المؤسسة البحرينية للمصالحة والحوار المدني"، ونشر الإعلام الرسمي الخبر، ولقيت المبادرة ترحيبا علنيا من ولي العهد، ومن قبل أطراف المعارضة وزعيمها الشيخ علي سلمان، بما يوحي بأن المسار يتم تهيئته لحوارات سياسية، وأخرى اجتماعية هي صلب اهتمام المؤسسة المعلنة.

الزيارات الغربية

استقبلت البحرين في الأسبوع الماضي وفودا أجنبية متعددة: أميركية، بريطانية، ألمانية، فرنسية، كان من بينهم عضو البرلمان ووزير الدولة لشؤون الشرق الأوسط بوزارة الخارجية البريطانية اليستر ألبوت، الذي أكد "عن قبول أطراف النزاع في المملكة البحرينية التحاور وبدون شروط مسبقة".

كما زار المنامة مايكل بوسنر مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل، الذي قال للصحافيين "نعتقد أن هناك حاجة للحوار على مسارين، الأول هو أن تواصل الحكومة العمل مع الجمعيات السياسية المعارضة للتفاوض حول مستقبل البلاد السياسي، والثاني هو الحاجة لحوار حول القضايا المهمة عمليا لجميع البحرينيين و التي من شأنها أن تجعل جميع الناس في البحرين يشعرون بان لديهم مصلحة في مستقبل البلاد".

ويبدو من تصريح المسئولين الغربيين أن الأطراف البحرينية المختلفة (الحكومة والمعارضة) تقبل وساطة بريطانية. وأن الطرف الغربي بات متفهما أكثر لرؤية المعارصة، خصوصا دعوة بوسنر لأن يكون الحوار على مسارين أحدهما بين الحكم والمعارضة (كما هو مطلب الجمعيات الخمس: الوفاق وشريكاتها)، ومسار ثان يجمع كل الأطراف، بما في ذلك الموالاة والتجار ومؤسسات المجتمع المدني.

هل يدع ذلك مجالا للشك بأن الحوار مقبل، وربما يتم الوصول من خلاله إلى تسوية. لكن هناك مشهد آخر، قد يفيد بأن الوضع  خلاف المعلن.

تصريحات الشيخ علي سلمان

في السياسية، حين يتحدث مسئول سياسي مصعدا، فإن ذلك من الممكن أن يحمل إحدى علامتين (وربما علامات أخر): إما أن يكون المسئول السياسي مقدم على تسوية أو خطوة تقود إلى تسوية؛ أو أنه يرى الأوضاع تتجه نحو التدهور، ولعله بخطوة التصعيد يعيد تركيز المشهد نحو المطلب الرئيسي، كما يعيد تجميع جمهوره.

في حالة التصريحات الأخيرة التي أعلنها الشيخ علي سلمان، والتي أكد فيها أن القمع لن يكسر الاحتجاجات المطالبة بالإصلاح، وأن العنف المعارض كان ممكنا لمواجهة العنف الرسمي، لكنه ليس خيار المعارضة... هذه التصريحات قد تكون دلالة على شعور الأمين العام بأن الجمود السياسي مستمر ولا فرصة لحوار ذي مغزى، أو إن الوفاق والمعارضة مقدمة على حوار تحتاج قبله أن تؤكد لجمهورها أن الدخول في حوارات لن تغير من المطالب المعلنة للوفاق بأن يكون "الشعب مصدر السلطات"، ينتخب حكومته وبرلمانه (كما فعلت قبيل حوار "التوافق الوطني" في يوليو 2011).


تصريحات الملك

رد الملك حمد بن عيسى آل خليفة على خطاب الشيخ علي سلمان بالطلب من "الأجهزة التنفيذية المختصة باتخاذ ما يلزم لردع هذه التجاوزات بحسب القانون،"، وفي ذلك تهديد، لم ينفذ بعد، ذلك أن التهديدات تطلق عادة لتفادي تنفيذها، بيد أن تنفيذها يظل على الطاولة. ما يعني أن احتمالات "الحرب" قائمة، و"كل الخيارات على محتملة".

 في ذات الخطاب، الذي ألقاه الملك في ممكلته= الجيش، قال "إني على ثقة بأن أهل البحرين قادرون على معالجة كل ما يعترض سبيلهم بوطنيتهم وبروح المشروع الإصلاحي المتوافق عليه في إطار حوار إيجابي وطني خالص بناء وبحلول بحرينية وليست أجنبية" وفي ذلك نفي لكلام الوزير البريطاني من أن السلطة البحرينية قبلت وساطة بريطانية.

الفهم الأميركي

يعتقد مايكل بوسنر، المسئول الأميركي الذي بات معنيا بملف البحرين،  أنه تكاد لا توجد نقاط التقاء بين الحكم والمعارضة، عكس ما صرح علنا في المؤتمر الصحافي، وأن التباين بأن الأطراف البحرينية كبير جدا، وأنه أزيد من أي زيارة من الزيارات الخمس التي زار فيها بوسنر المنامة في غضون الـ 15 شهرا الماضية.

ولاحظ بوسنر بعد لقاءاته الغزيرة مع مختلف أطراف العمل السياسي في البحرين، أن التجربة البحرينية في خطر، و لابد من تدارك الوضع عبر أفكار "ذكية".

بوسنر يعقتد أن الأطراف النافذة في السلطة لا تريد الحوار، وأنها تعتقد أن المعارضة "هزمت" وعليها أن تعترف بذلك، وتدخل تسوية وحوارا مع السلطة دون أن تعتبر نفسها "ندا".

الخلاصة

بالنسبة لي، وإزاء معطيات متضاربة، توحي بعضها بأن الحوار مقبل، وأخرى تفيد بأن السلطة بصدد الاستعداد لجولة أخرى من القمع، مازلت أعتقد أن الجمود سوف يستمر سيد الموقف، مع استمرار ارتفاع وانخفاض بورصة هذا الخيار أو ذاك بين فترة وأخرى، ومع عمل كل الأطراف على تحسين وضعها التفاوضي.

أما مؤسسة القصيبي، فإنها أقرب إلى أداة علاقات عامة متطورة للسلطة، لكن على طريق ولي العهد الناعمة"، وليس على الطريقة "الفجة" للأجنجة المتشددة في النظام.

لكن يجدر الإشارة إلى أن التاريخ الحديث حمل تسويتين (دستور 1973، وميثاق العمل الوطني 2001)، وهذا يعني أن التسوية ممكنة في البحرين، بيد أن الأكيد أيضا أن السلطة "غدارة"، كما في حالة اجهاض التسويتين المذكورتين. وأنه طالما لجأت السلطة لحوار تشتري به الوقت، أو حوار من أجل لفت الأنظار عن ممارسات أخرى تقوم بها، (في مارس كان ولي العهد يتحاور، والسلطة تستعد لاستقبال القوات السعودية والهجوم على الدوار).


التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات

comments powered by Disqus