»

لامصالحة من غير نسيان صحيّ

23/06/2012م - 3:09 ص - 2277 قراءة

نسخة للطباعة حفظ الموضوع أرسل الى صديق



جاسم العويك*

من الحظِّ الطيب أن تبدأ الثورة في فبراير، وأن تستمر فصولها على امتداد السنة كاملة، فهذا يجعل من تواريخها المفصلية دعامات فولاذية للذاكرة، فلقد تشكلت لدى الشعب البحريني روزنامة متكاملة تبقيه يقظًا طوال العام، وتبقى مهمة السلطة حاليًا محاربة هذهِ الذاكرة كما فعلت مع دوار اللؤلؤة، الذي هدمته السلطة بذريعة أنهُ يمثل "ذكرى سيئة"، كما صرح بذلك وزير الخارجية. ولا أدري ، هل وجود المدرعات هناك منذ السلامة الوطنية من العام الفائت هو ذكرى جميلة مثلًا؟!

وعبثًا تتحدث السلطة عن طي صفحة الماضي أوالمصالحة، بينما لا يمكن إنجاز أي مصالحةٍ أو نسيان صحيِّ مالم نعرف كيف نتعامل مع الذاكرة التي تشكلت لدى الطرفين (الشعب/النظام وتوابعه)، فمحاولة النسيان القسرية محض نفاق أو رغبة لا واعية من قبل السلطة مما يمكن أن نسمية بـ "الإنكار المرضي ".

لامصالحة من غير نسيان صحيّ، ولا نسيان من غير إبعاد المحفّزات المنشطة للذاكرة، فالذاكرة تصبح أكثر حيوية عندما تكون مرتبطة بأحداث تسبب الألم أو الفرح الغامر، وما حدث في البحرين ليس مجرد معلومات وردت للذاكرة ولكنها أحداث تغلغت في كامل الوجدان عبر الفرح والألم، وهذا ما لا يمكن نسيانه بقرار سياسي، أو لمجرد الرغبة بذلك. (حتى لو كانت الرغبة من كلا الطرفين).

النسيان الصحي لا يعني عدم التذكر، ولكن أن لا تسبب الذكرى تهيجًا مؤذيًا للنفس، بمعنى أن تصبح جزءًا من التاريخ، فصحيح ٌ أن الزمن يتكفل بذلك، لكن ما دام التاريخ حاضرًا وفاعلًا، فإن كل ذكرى سوف تسبب ذات العوارض السابقة للخبرة الأولى، وإذا أرادت السلطة أن تتأكد من هذهِ النظرية، فما عليها سوى أن تنتظر حتى فبراير ومارس من السنة القادمة.

لا يمكن لمواطن بريطاني أن يتحدث عن الملكة بسوء كون أجدادها قاموا بارتكاب مجازر بحق أجدادهِ مثلًا، لكنَّ هذهِ الحالة موجودة في البحرين، والسبب في ذلك أن الألم الحاضر ينشِّط الذاكرة ويجعلها تفتش عن تاريخ الألم المنسيِّ في أيام الرخاء، فمع كلِّ أزمة يتكاثر السرد التاريخي عن المظالم السابقة التي عانى منها الأجداد.

فصحيح أن للشعوب ذاكرة مثل ذاكرة الذبابة ـ تنسى كل خمس ثوانٍ ـ لكن بلاهة النظام تجعل من النسيان أمرًا مستحيلًا، وكلما طالت الأزمة أصبحت المحفزات التي تنشِّط الذاكرة أكثر وأوسع، حتى بات كل شيء يذكر بجرائم النظام وموزع على الذاكرة البصرية والشمية والسمعية. فالقمع لن يفعل شيئاً سوى تغذية الذاكرة. فعندما تتعرض القرى للمحفزات الثلاث بشكل يومي فعن أي نسيانٍ نتحدث، خصوصًا تلك الذاكرة المرتبطة بالشم، التي هي من أقوى أنواع المحفزات، ولها القدرة الفاعلة على التهييج العاطفي، فكيف ينسى من كان لهُ قريب أو صديق استشهد مختنقاً بالغاز وهو يشم هذا الغاز بشكل يومي .

إن الرهان على المصالحة عن طريق النسيان القسري محض عبث، فثورة اللؤلؤة قد دمغت وجدان كل بحريني، كما أنها تحوي كل منشطات الذاكرة (روزنامة تاريخية مرتبة طوال السنة ـ الرموز مثل دوار اللؤلؤة الذي يعمل كموتيف للذاكرة ـ التوثيق المصور حيث إن ذاكرة الإنسان تحتفظ بالمعلومات بشكل أسرع عن طريق البصر ـ التكرار اليومي للتظاهرات والقمع المصاحب لها).

والطريق الأنسب للنسيان الصحي هو أن نبدأ بالفضفضة، والمكاشفة، فلا يمكن تسوير الذاكرة بالأسلاك الشائكة والمدرعات كما حدث في ميدان الشهداء " دوار اللؤلؤة "، لابدَّ من فتح هذا الصندوق الأبيض أولًا، لأنَّ غلقه واعتبارهِ أرضًا محرمة يزيد من الحنين غير المشبع، ويزيد من أسطرة المكان. وبإمكانكم أن تسألوا عن السر الذي يجعل لاجئًا فلسطينيًا يحتفظ بمفتاح بيته منذ ما يقرب الخمسين عامًا وأكثر.

فما هو المزعج للسلطة لو تجمع الناس في الميدان مرةً أخرى، بل وتحويله إلى أرض تاريخية تتوزع بين أرجائها قاعات للمحاضرات، وحدائق، وشواهد للشهداء، وأن يكون أشبه بـ (الهايد بارك). فالضحية كي تحقق النسيان الصحي لا تحتاج إلى مبالغ مادية بقدر ما تحتاج إلى الاعتذار، والاعتراف الذي يعيد إحساسها بكيانها الإنساني. ثمَّ كخطوة لاحقة لا بدَّ من استبدال الحكومة التي أصبحت كل وجوهها محفزات لذاكرة التأزيم. فقط عندما يتحقق هذا الحلم، فإن الذاكرة لن تصبح خطرة ومهيَّجة، ويمكن الحديث حينها عن حوار يرضي جميع النفوس. ويمكن أيضًا لهذهِ الخطوات أن تليّن من المتحاورين ليصلوا إلى سقوف مقبولة أو حتى جدولة الانتقال الديمقراطي.

*كاتب بحريني.



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات

comments powered by Disqus