الملك يخنق رئيس الوزراء في عرينه (الدستوري)

عباس بوصفوان - 16/07/2012م - 12:29 م - 18965 قراءة

نسخة للطباعة حفظ الموضوع أرسل الى صديق





عباس بوصفوان*


بعد يناير 2005، وقبل ذلك أصلا، لم يعد السؤال مطروحا عما إذا كان الوزير محسوبا على هذا الطرف أو ذاك، إذ يتوجب عليهم جميعا تنفيذ التعليمات التي يصدرها وزير الديوان الملكي وإلا سيكون المصير الإقالة، وربما غضب “السلطان”.

نركز هنا على خطوات الملك حمد “الهادئة”، وربما “البطيئة”، لكنها المتتابعة والحثيثة، الهادفة إلى خنق رئيس الوزراء في عرينه “الدستوري” (مجلس الوزراء) من خلال تعيين شخصيات موالية للقصر الملكي أعضاء في المجلس، على دفعات متتالية، ربما تكون حلقاتها قد اكتملت في 2005، كما سيتضح.

قبل ذلك، أشير إلى أن الملك حمد اتخذ جملة من القرارات المهمة، من أجل إحكام سيطرته على مراكز القرار،أبرزها:

أولا: إعلان المشروع الإصلاحي، خصوصا ميثاق العمل الوطني الذي حقق له:

1- دعما شعبيا هائلا (98.4 ٪)، استثمرهما الملك في مواجهة جناحين رئيسيين:

أ. جناح رئيس الوزراء داخل العائلة الحاكمة وخارجها، للمضي قدما في “استراتيجيته”، التي سيتضح احتكاريتها مع مرور الوقت.

ب. جناح المعارضة التي بدت مرتبكة أمام ملك يقدم نفسه إصلاحيا، عبر مشاريع إيجابية، لكنه يمضي في سياسة على الأقل هي مثيرة للجدل (2002). واستثمر الملك هذا الفراغ، الارتباك، التردد، والذهول الذي اتسم به أداء المعارضة، للمضي في عقيدته/ أيديولوجيته واستراتيجيته “البندرية” (نسبة إلى تقرير البندر).


رغم ذلك، فقد بات واضحا، حتى منذ 2002، ونصوص دستور المملكة الجديد، أن هدف “المشرع الإصلاحي” لم يكن تأسيس حياة ديمقراطية، بل صراع أجنحة حسمه الملك لصالحه، أحيانا بضربه قاضية، وأحيانا عبر مراحل، وفي كل الحالات ارتد ذلك عداء مستحكما للملك من قبل المعارضة، وأطراف داخل العائلة الحاكمة.

2- حقق الملك إشادة عالمية غير مسبوقة للحالة البحرينية، التي تشتكي طويلا من عدم الاستقرار، وعادة ما تكون بحاجة إلى دعم الإقليم والمجتمع الدولي لشعور خاص عند العائلة الحاكمة بهشاشة شرعيتها الداخلية عموما. وربما لم يقتنع الرأي العام الدولي بالحالة الدكتاتورية التي تعيشها البحرين إلا بعد انفجارات 14 فبراير (2011) السياسية المدوية.

ثانيا: قام الملك بتغييرات دستورية (2002) لتحقيق التالي:

1- تحيله حاكما مطلقا، في قبال المعارضة وعموم القوى السياسية، وأيضا في قابل الأطراف الأخرى في العائلة الحاكمة،
2- تفريغ مجلس الوزراء (عرين الشيخ خليفة بن سلمان) من سلطاته الدستورية.

ثالثا: إعادة هيكلة آلية اتخاذ القرار:

1- نقل الملف السياسي والدستوري إلى القصر.
2- نقل الملف الاقتصادي إلى مجلس التنمية الاقتصادية.
3- إحكام القبضة على مجلس الوزراء من خلال استبدال أعضاء المجلس على مراحل، بشخصيات موالية للقصر الملكي، بدل ولائها لرئيس الحكومة.

التغييرات في مجلس الوزراء: بداية مُجاملة

لقد اجتهد الملك في بداية عهده في الحديث بإيجابية عن عمه رئيس الوزراء الشيخ خليفة. راح يقرنه دائما في خطاباته العامة بأبيه الراحل (عيسى بن سلمان)، يمجده ويثني على جهوده مستخدما لفظ “عمنا العزيز” بصورة طاغية.
 مع مرور الوقت انتهى تقريبا هذا اللفظ والتمجيد، الذي قلد فيه الملك أسلوب الرئيس المصري أنور السادات الذي مضى أول عهده يمجد سلفه جمال عبدالناصر، مرددا التزام نهجه، حتي استتب له الأمر، وغدا أقرب إلى حالة عداء مع نهج سلفه.
وللتاريخ، ورغم طغيان الشيخ خليفة بن سلمان على المشهد السياسي طوال ثلاثة عقود (السبعينيات والثمانينيات واالتسعينيات)، فقد انتقل الحكم إلى (الأمير) حمد بسلاسة بالغة بعد وفاة والده الشيخ عيسى. قاد الشيخ خليفة بن سلمان ذلك بنفسه، وهو الشخصية المحافظة على “سنع” القبائل وعاداتهم في توارث الحكم، كما يفتخر.

من جهته، وربما بسبب ما سبق و/ أو لاعتبارات أخرى، وعلى خلاف سياسة “الصدمة” التي استخدمها الملك لشل المعارضة (2001)، فقد اختار الملك أسلوب المجاملة والتوقير وسياسة النفس الطويل في احتواء رئيس الوزراء، وصولا إلى جعله على “قارعة الطريق”، على نحو أكثر هدوءا من طريقة الرئيس السادات في التعامل مع “مراكز القوى”، إذ بينما حسم السادات المعركة بعد نحو سنتين من تبوئه منصبه في أعقاب وفاة الراحل عبدالناصر، فقد أمهل الملك نفسه حتى 2005، ليتم إحكام قبضته على تشكيلة مجلس الوزراء، لكنه قام قبل ذلك بتفريغ مجلس الوزراء من صلاحياته وقوته.

التشكيلة الوزارية وقت تسلم الملك الحكم

استلم الملك الحكم في 6 مارس (آذار) 1999. كانت تشكيلة السلطة التنفيذية/ الحكومة/ مجلس الوزراء مكونة من 17 عضوا/ وزيرا (من بينهم رئيس الوزراء). وباستثناء وزير الدفاع المشير خليفة بن أحمد، فإن الشخصيات الـ  15 الأخرى محسوبة على الشيخ خليفة، وهم:

1- عبدالله بن خالد آل خليفة،  نائب رئيس مجلس الوزراء وزير العدل والشؤون الاسلامية.

2- محمد بن مبارك آل خليفة، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية.

3- محمد بن خليفة آل خليفة، وزير الداخلية.

4- علي بن خليفة آل خليفة، وزير المواصلات.

5- جواد سالم العريض، وزير دولة.

6- خالد بن عبدالله آل خليفة، وزير الإسكان.

7- محمد ابراهيم المطوع، وزير شؤون مجلس الوزراء والإعلام.

8- عيسى بن علي آل خليفة، وزير النفط والصناعة.

9- علي صالح الصالح، وزير التجارة.

10- عبدالله جمعة، وزير الكهرباء والماء.

11- عبدالعزيز محمد الفاضل، وزير التربية والتعليم.

12- إبراهيم عبدالكريم، وزير المالية والاقتصاد الوطني

13- عبدالنبي عبدالله الشعلة، وزير العمل والشؤون الاجتماعية.

14- ماجد جواد الجشي، وزير الأشغال والزراعة.

15- فيصل رضي الموسوي، وزير الصحة.


التغيير الوزاري الأول: جس النبض

تريث الملك حتى مايو (أيار) 1999، وأجرى تعديلا وزاريا محدودا للغاية، تم من خلاله تعيين ثلاثة وزراء جدد، واحد منهم فقط محسوب على الملك، هو وزير الكهرباء والماء المرحوم دعيج بن خليفة آل خليفة، الذي خلف عبد الله جمعة الذي توجه له تهم فساد كبرى في إنشاء محطة الحد.
أما الوزيران الجديدان الآخران، فهما محسوبان على رئيس الوزراء، وهما: عبدالله سيف الذي تسلم حقيبة المالية والاقتصاد والوطني، وعلي المحروس الذي عين وزيرا للأشغال والزراعة، وأطيح به سريعا بسبب ما قيل عن اتهامات بالفساد.
جس النبض هذا، دلالة على أن الشيخ خليفة بن سلمان مازال يمارس سطوته، لكن الصحيح أيضا أن الملك قد اختار مجاراته.
والخلاصة أن أول تغيير وزاري كان عدد الشخصيات المحسوبة على الملك في الحكومة اثنين: هما وزير الدفاع خليفة بن أحمد آل خليفة، ووزير الكهرباء والماء دعيج بن خليفة آل خليفة، أما الوزراء المحسوبون على الشيخ خليفة فعددهم 16 وزيرا.

التغيير الوزراي الثاني: زيادة حصة الملك دون إنقاص حصة رئيس الوزراء

أجرى (الأمير) حمد بن عيسى تغييرا وزرايا ثانيا في ابريل 2001،  بدا التغيير خجولا أيضا،  لكنه عكس توجه الملك نحو زيادة حصته في مجلس الوزراء، دون انقاص عدد الوزراء المحسوبين على رئيس الوزراء.
والملاحظات الأبرز التي يمكن تسجيلها على هذا التغيير:

 .1حافظ رئيس الوزراء على 15 وزيرا محسوبين عليه، وهم:

•    عبدالله بن خالد آل خليفة ، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير العدل والشؤون الاسلامية.

•    محمد بن مبارك آل خليفة، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية.

•    محمد بن خليفة آل خليفة، وزير الداخلية.

•    علي بن خليفة آل خليفة، وزير المواصلات. (الابن البكر لرئيس الوزراء).

•    جواد سالم العريض، وزير دولة للبلديات وشؤون البيئة.

•    خالد بن عبدالله آل خليفة، وزير الإسكان.

•    محمد ابراهيم المطوع، وزير شؤون مجلس الوزراء.

•    الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، وزير النفط.

•    علي صالح الصالح، وزير التجارة والصناعة.

•    عبدالعزيز محمد الفاضل. وزير شؤون مجلسي الشورى والنواب.

•    عبدالله حسن سيف، وزير المالية والاقتصاد الوطني.

•    عبدالنبي عبدالله الشعلة، وزير العمل والشؤون الاجتماعية.

•    محمد جاسم الغتم، وزيرا للتربية والتعليم.

•    فيصل رضي الموسوي، وزير الصحة.

•    محمد حسن كمال الدين، وزير دولة.

 2. زاد الملك من الوزراء المحسوبين عليه، وهم:

•    خليفة بن أحمد آل خليفة، وزير الدفاع.

•    دعيج بن خليفة آل خليفة، وزير الكهرباء والماء.

•    نبيل يعقوب الحمر، وزير الاعلام.

•    محمد عبدالغفار عبدالله، وزير دولة للشؤون الخارجية.

.3 تم سحب حقيبة الإعلام من محمد المطوع، وكلف بها المستشار الإعلامي للملك حاليا نبيل الحمر، ويوصف المطوع بإنه “الرجل القوي”، والذراع اليمنى لرئيس الوزراء، خصوصا إبان مرحلة انتفاضة التسعينات (1994ـ 1999)، حيث القرار يصوغه رئيس الوزراء ومعاونوه.

وربما دفع محمد المطوع ثمن قربه من رئيس الوزراء بتقليص صلاحياته قبل غيره، وقد شكل ذلك جس نبض أكبر، وربما تحد أزيد وضوحا وتجليا لرئيس الوزراء. ومع ذلك فقد احتفظ المطوع بمنصبه وزيرا لشؤون مجلس الوزراء، وهو ما يعطي تطمينا للشيخ خليفة بأن الهدف تقاسم السلطة، ما أمكن.

4. تم تعيين محمد عبدالغفار وزيرا للدولة للشؤون الخارجية، كمحاولة من الملك ربما للدخول على خط السياسة الخارجية، التي طالما سيطر عليها الرجل “العتيق” محمد بن مبارك آل خليفة، الذي تحول لاحقا إلى “حلال المشاكل”، إذ تحال إليه كل اللجان المهمة، ربما كنوع من التسوية بن أقطاب الحكم المحافظين، وإغرائه ليكون رئيس الوزراء بديلا للشيخ خليفة، وقد أظهر بن مبارك موافقة على تبوء المنصب حال تكليفه به.

5. دخل الوزارة للمرة الأولى فهمي علي الجودر وزيرا للأشغال، وهو شخصية محسوبة على ولي العهد الشيخ سلمان، وقد مثل الجودر حينها نموذجا للكفاءة والدماء الجديدة التي بشر بها العهد الجديد، دون أن يغيّب ذلك الإشكالات التمييزية والطائفية، بالضرورة.

التغيير الوزاري الثالث: تعميق حضور الملك

اختار الملك زيادة عدد الوجوه المعبرة عن تطلعاته، وذلك في التغيير الوزاري الذي تم بعيد إجراء الانتخابات النيابية في 2002، فزادت حصته إلى عشرة وزراء، وتقصلت حصة رئيس الوزراء إلى 13، وحافظ ولي العهد على وزير واحد محسوب عليه.

لكن الملك قام أيضا بتقليص صلاحيات الوزراء المحسوبين على رئيس الوزراء:

1- سحب حقيبة العدل من الوزير العجوز عبدالله بن خالد آل خليفة، وإسنادها إلى عجوز آخر هو جواد سالم العريض.

2- تجريد رجل الأعمال عبدالنبي الشعلة من منصبه وزيرا للعمل والشؤون الاجتماعية، وإحالتها إلى المعارض السابق د. مجيد العلوي، الذي دخل الوزارة للمرة الأولى.

3- سحب حقيبة الصناعة من الشيخ عيسى بن على آل خليفة، وكلف بها الوزير المحسوب على “الإصلاحيين” د. حسن فخرو، القريب من الملك ومستشاره السابق للشؤون الاقتصادية، لكن بن علي احتفظ بحقيبة النفط، بعد أن كان وزيرا للنفط والصناعة.

4- لكن، لعل النقطة الأهم في هذا التغيير أيضا هو إزاحة الشخصية النافذة خالد بن عبدالله من منصبه وزيرا للإسكان، وإحالته للتقاعد عمليا، لولا أن رئيس الوزراء تمسك به، كما يتسمك عادة برفاقه، وتم تعيينه وزيرا لديوان الشيخ خليفة. والملفت هو إسناد وزارة  الإسكان إلى الشاب فهمي الجودر، الذي دخل قبل نحو عام ونصف العام التشكيل الحكومي.

5- تضخم عدد الوزراء، مع عدم وجود ضوابط تحدد العدد، وفي ظل السلطة المطلقة  للملك في تشكيل الوزارة (وهذا موضوع آخر).

مايو 2004: السيطرة على وزارة الداخلية

في 22 مايو (أيار) 2004، خرجت في المنامة مسيرة شعبية ضخمة تندد بالتفجيرات التي استهدفت المقدسات الشيعية في العراق، بقيادة آية الله الشيخ عيسى قاسم، وكان مثيرا للاشمئزاز شعبيا قيام جهاز الأمن باستهداف المسيرة المرخصة بمسيلات الدموع ورصاص الشوزن.لكن الملفت والمفاجئ أن الملك حمد أصدر، في ذات اليوم، مرسوما بتعيين راشد بن عبدالله آل خليفة وزيرا للداخلية، وإعفاء سلفه خليفة بن محمد آل خليفة.

يمكن أن يقال الكثير عن ذلك، لكن المهم فيما يخص هذا الفصل هو إزاحة وزير الداخلية المحسوب على رئيس الوزراء بآخر محسوب على الملك، وبطريقة تظهر الملك إصلاحيا وضد استخدام العنف ضد المتظاهرين، وتظهر جناح رئيس الوزراء بأنه يستهدف العزل لمجرد تعبيرهم عن رأيهم.

ويزداد الأمر إثارة بالنظر إلى أن الوزير خليفة بن محمد كان ضمن الطاقم الرئيسي ـ بقيادة الشيخ خليفة ـ في قمع احتجاجات التسعينيات، وهو في نظر المعارضة متهم بانتهاكات حقوق الانسان، لكنه بنظر العائلة الحاكمة بطل يستحق التبجيل، بيد ان ذلك لم يردع الملك عن الإطاحة به بطريقة “مهينة”، مادام ذلك يحقق له السيطرة على الجهاز الأمني، الذي يعتقد أنه ظل وفيا لرئيس الوزراء حتى فقد السيطرة عليه بمجئ رئيس هيئة الأركان بقوة الدفاع (منذ 2001) راشد بن عبدالله آل خليفة وزيرا للداخلية.

التعديل الوزاري الرابع: لحظة الانقضاض:

يمكن وصف التغيير الوزاري، الذي  تم في 14 يناير 2005، بأنه لحظة انقضاض الملك على رئيس الوزراء، ليس فقط لجهة زيادة حصة الملك إلى 12 وزيرا في قبال 7 محسوبين على رئيس الوزراء، ولكن لجهة الوجوه التي خرجت من الوزراة، التي تعتبر أعمدة أساسية لنهج الشيخ خليفة.

لقد اتخذ الملك هذه المرة قرارا بإزاحة أربع شخصيات ينظر إليها على أنها من أذرع رئيس الوزراء الضاربة:

1. تم الاطاحة بمحمد المطوع من منصبه وزيرا لشؤون مجلس الوزراء، وعين بدلا منه عبدالحسين ميرزا، الذي يعد شخصية محسوبة على الملك، تتسم بالهدوء والمهنية، ولذلك معان عميقة للغاية، علنية هذه المرة بأن الملك بإمكانه تعيين وإعفاء من يريد. كما عنى تعيين ميرزا وزيرا لشؤون مجلس الوزراء أن جدول اعماله بات تحت نظر القصر وتحكمه.  ودون شك، فإن تعيين الشيخ أحمد عطية الله في هذا المنصب لاحقا (سبتمبر 2005)، عنى أكثر من مجرد تعيين شخصية “مهنية” مثل ميرزا، بالنظر إلى المكانة المهمة التي يحتلها عطية (ابن شقيق وزير الديوان الملكي) في صنع وتنفيذ القرار الملكي.

2. الضربة الثانية هي الإطاحة بالشخصية المهمة في نظر الشيخ خليفة، وهو وزير المالية والاقتصاد الوطني السابق عبدالله حسن سيف، وبدلا منه تم تعيين الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة المحسوب على ولي العهد، وأسندت له حقيبة المالية فقط، ويفترض أن يعني ذلك أن مسؤولية رسم سياسة الاقتصاد الوطني قد تأكد إحالتها إلى مجلس التنمية الاقتصادية، الذي يترأسه ولي العهد.

3. إبعاد المخضرم القريب من رئيس الوزراء جواد العريض من التشكيل الوزاري.

4. الاطاحة بالوزير عبدالنبي الشعلة، بطريقة لا تخلو من توبيخ، على الأقل. وهو الوزير الذي أشارت وكالة أبناء البحرين الرسمية (بنا) إلى أنه أعفي من منصبه، رغم خروج تصريح بعد يومين من ذلك ينفي مسألة الاعفاء ويشيد بما حققه الرجل من أدوار وطنية. والملفت انه بينما عين محمد المطوع وعبدالله سيف وجواد العريض مستشارين لرئيس الوزراء بدرجة وزير لكل منهم، لم يتم ذلك مع الشعلة، ولا يعرف إن كان ذلك يعكس امتعاضا ملكيا، بالنظر إلى أن التعيينات بدرجة وزير يتوجب أن يصدرها الملك.

 بدا ملفتا تقليص صلاحيات الوزير د. مجيد العلوي، فبعد ان كان وزيرا للعمل والشؤون الاجتماعية، بات فقط وزيرا للعمل، فيما أسندت حقيبة الشؤون الاجتماعية إلى د. فاطمة البلوشي المحسوبة على المتشددين في الديوان الملكي، ويفضل مناقشة ذلك في سياق غير الصراع بين  الملك ورئيس الوزراء للسيطرة على تشكيلة الحكومة.
يمكن الحديث عن أمور أخرى تتعلق بزيادة أعداد الوزراء من العائلة الحاكمة، وتقليص حضور الوزراء الشيعة، وغياب الكفاءة في التعيينات، بيد أن لذلك مقاما آخر.


الخلاصة هنا أن الملك أظهر أنيابه علنا لرئيس الوزراء، الذي أبدى انحناء للعاصفة. ولم يستقل كما استقالت مراكز القوى إبان فترة السادات، كما لم يقبل بأي منصب بديل، حتى لو كان منصب نائب الملك الذي لم يذكر في الدستور، وينظر إليه كمستشار بمسمى محسّن.

التعديلات الوزراية المتتالية لاحقا كرست حضور الوزراء المحسوبين على الملك، وحتى الوزراء المحسوبين على رئيس الوزراء باتوا مدركين موازين القوى، كما أن رئيس الوزراء نفسه بات مقتنعا بأن السلطة انتقلت قولا عملا، شكلا ومضمونا، إلى الملك الجديد. لذا لم يعد بعد يناير 2005، وقبل ذلك أصلا، السؤال مطروحا عما إذا كان الوزير محسوبا على هذا الطرف او ذاك، إذ يتوجب عليهم جميعا تنفيذ التعليمات التي يصدرها وزير الديوان الملكي خالد بن أحمد آل خليفة، اليد اليمنى للملك، وإلا سيكون المصير الإقالة، وربما غضب “السلطان”.

ويشار في البحرين، عادة، إلى نموذج الملك الأردني الذي "يتلاعب بالوزراء كالدمى"، وهو النموذج الذي أراد الملك تطبيقه، فمضى ـ في بعض الأحيان ـ إلى تغيير الوزراء بطريقة لا تخلو من التشهير، وهي سمة يتسم بها تعاطي الملك مع بعض وزرائه، ربما نذكر منها مثلاً إقالة وزير الإعلام الأسبق جهاد بوكمال بعد نحو 14 شهرا من تعيينه في منصبه. إذ أقيل بوكمال، في نوفمبر 2008، عبر خبر بثته وكالة أنباء البحرين، والوكالات الدولية، وأكد الخبر مستشار الملك الإعلامي نبيل الحمر. وتم إقالة بوكمال حين كان الملك في سفرة عمل في نيويورك. وكأن حدثا جللا قد حصل يستدعي التعجيل باقالة بوكمال، وتوبيخه علنا وعلى رؤس الاشهاد.

وسواء تم إقالة الوزير بسبب بث تلفزيون البحرين لقاء مع أمين عام جمعية وعد إبراهيم شريف تحدث فيه عما أسماه الموازنة السرية للديوان الملكي وصفقات التسلح، أو على خلفية احتجاجات العاملين في تلفزيون البحرين على إجراءات قام بها الرئيس التنفيذي الأسبق لهيئة الإذاعة والتلفزيون أحمد نجم (عينه بوكمال)، أو لأسباب أخرى، فإنه يمكن انهاء خدمات بوكمال بطريقة تقليدية.

ويمكن أيضا الإشارة أيضا إلى إقالة وزير البلديات السابق منصور بن رجب، في مارس 2010، كنموذج لطريق الإقالات المثيرة الجدل، إذ اتهم بن رجب بغسيل أموال مع الحرس الثوري الإيراني، وتم التشهير به في الإعلام المحلي على مدى أسابيع، في بلد لم يعتد إثارة قضايا الفساد، ما يشير إلى أن أهدافا أخرى كانت وراء العملية برمتها.

*صحافي وكاتب بحريني

المقال، جزء من كتاب بعنوان البحرين: بنية الاستبداد وتوازنات النفوذ في العائلة الحاكمة، دراسة في "استيراتيجية" انتقال السلطة من رئيس الوزراء إلى الملك، يصدر قريبا عن مركز البحرين للدراسات في لندن.


التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات

comments powered by Disqus