إلى أين يقود ولي العهد قطاع النفط والغاز؟

عباس بوصفوان - 30/07/2012م - 4:51 ص - 7345 قراءة

نسخة للطباعة حفظ الموضوع أرسل الى صديق



عباس بوصفوان*

في 17 يوليو 2012، بثت وكالة أنباء البحرين خبرا صغيرا يحيل ملف النفط والغاز إلى وزير المالية أحمد بن محمد آل خليفة، بناء على المرسوم الملكي رقم 55 لسنة 2012 بتعيينات وزارية، ما يفتح أبوابا لا تنتهي من الأسئلة والإشكالات.

ولما كان وزير المالية إحدى واجهات ولي العهد الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة المعني بإدارة الملف الاقتصادي في البحرين، فإن المرسوم الجديد يعني أن ملف النفط والغاز قد أحيل إلى ولي العهد.

ولو كان مشروع ولي العهد الاقتصادي في غضون السنوات التسع الماضية قد كتب له النجاح، فإن إسناد ملف النفط له ليرتقي به كان منطقيا، أما وأن الارباك والضعف وأحيانا الفشل قد سجله ولي العهد في إدارة جملة من الملفات الاقتصادية الرئيسية (استيراتيجية البحرين 2030، الفورمولا واحد، طيران الخليج، إصلاح سوق العمل...)، فإن إسناد ملف النفط الاستتثنائي له قد يعكس منهجية جديرة بالنبش والتحقيب.

وقد طرح ولي العهد، باعتباره رئيسا لمجلس التنمية الاقتصادية، مشروعا يتكون من ثلاثة أضلاع: إصلاح التعليم والتدريب، إصلاح سوق العمل، وإصلاح الاقتصاد، سيتم تناولها تباعا في قراءة موضوعية لمشاريع إصلاح الاقتصاد التي تبناها ولي العهد، ضمن فرضية أساسية تحتاج إلى اختبار بأن هذه المشاريع والمبادرات والرؤى أخفقت في تحقيق الأهداف المنشودة والمعلنة من إطلاقها، لكن سيكون تجنيا اعتبار كل قام به ولي العهد من ناحية اقتصادية فاشلا، وحتى في حالة الفشل قد تكون الأسباب متعددة.

وفيما يخص مقال اليوم والخاص بإحالة ملف النفط والغاز إلى ولي العهد، فقد لا يبدو مستغربا أن يمر صدور المرسوم 55 لسنة 2012 دون أن يثير ضجة في الصحافة المحلية، بسبب ضيق حرية التعبير دون شك، لكن أيضا بسبب ضعف  المهنية.

وقد لا ينتظر الرأي العام موقفا من برلمان هو أشبه بملحق حكومي، لكن يبدو مثيرا للانتباه والتساؤل أن يمضي  صدور المرسوم دون تعليق من المعارضة، التي يفترض بها ـ عكس ما تعتقد ـ أن تعلق على كل شيء، على اعتبار أنها تقدم نفسها بديلا للوضع القائم، أو ـ على الأقل ـ تطرح نظرية/ مقاربة مختلفة لطريقة الحكم السائدة، وفي موضوع كالنفط، فإن المسألة تستحق أكثر من بيان، لم يصدر على أية حال.

ويرد السؤال أيضا بشأن تجاهل مؤسسات المجتمع المدني ذات العلاقة لهذا المرسوم المهم، والذي يفترض أن يعطي فرصة مهمة لفتح نقاش وطني حول النفط والغاز والموازنة العامة للدولة التي يخصص ثلثها للصرف العسكري.

نص المرسوم الملكي محل النقاش على تعيين د. عبدالحسين بن علي  ميرزا وزيرا لشئون الكهرباء والماء، وسحب ملف النفط منه، رغم كونه شخصية مهنية مرموقة، خبيرة في شئون الغاز والنفط بعد أن عمل في هذا الحقل أكثر من أربعين عاما، وهو تكنوقراط "حتى الثمالة"، ملتزم بالخط الرسمي، لا طموح سياسي عنده بالمعنى المقلق للسلطات، ولا يشكل خطا رديفا يخشى من تمرده، ويستدعي إزاحته وتهميشه.

ولعل ميرزا كان ومازال ينتظر تقديرا على جهوده المهمة للنهوض بالقطاع النفطي الذي تولى مسئوليته منذ 2005، ولن يكون خارج إطار المنطق المهني ـ الذي لا يسود ـ توسيع صلاحياته بدل تقليصها.

وفي الواقع، فقد كان مفاجئا، وخارج المألوف الرسمي توسيع صلاحيات ميزرا في فبراير (شباط) 2011، في خضم اعتصامات دوار اللؤلؤة الحاشدة، حين أسند له ـ في تغيير وزاري محدود ـ ملف الكهرباء والماء إلى جانب مسئولية النفط والغاز، بعد إزاحة الوزير د. فهمي بن علي الجودر من شئون الكهرباء والماء بطريقة يمكن وصفها بالمهينة، وإظهاره في صورة الهادر للمال العام، وربما فاسدا في إدارته لبناء مشروع مستشفى الملك حمد بالمحرق، وهذه قصة أخرى في بلد ليس من بين معايير التوزير والتعيينات عموما لحاظ معايير المهنية وقضايا الإهدار والفساد.

وقد استغلت الإثارات ضد الجودر، إلى جانب التحديات التي تفرضها التشكيلة غير المريحة للسلطة في بعض ادارات وزارة الصحة لتسويغ إحالة إدارة مستشفى الملك حمد للمؤسسة العسكرية، التي صُورت في الإعلام الرسمي وكأنها منقذة للمال العام! خبيرة في إدارة المستشفيات! فيما كان هدف إسناد مهمة إدارة المستشفى الجديد للجيش: توسيع صلاحيات العسكر، وجناح الخوالد في شخص سلمان بن عطية آل خليفة (ابن شقيقة وزير الديوان الملكي خالد بن أحمد آل خليفة)، وتهميش المؤسسة الطبية التقليدية، التي هي بنظر النظام تشكل رديفا معارضا!

لعل إضافة كرسي الكهرباء والماء للوزير ميرزا إلى جانب كرسي النفط والغاز، المثقل بالعمل، في فبراير 2011، مؤشرا إضافيا على (قصف قادم) للرجل، الذي تمكن من إنجاز الكثير في السنوات الماضية، دون أن يعني ذلك أن أداءه يخلو من سلبيات.

وقبل أن يستعجل القارئ في الاستنتاج، فلم تكن تلك لحظة إزاحة ميرزا من النفط، مرتبطة بقرار تولي أحد أفراد عائلة آل خليفة الحاكمة إدارة تفاصيل ـ ضع خطا تحت كلمة تفاصيل ـ الشركات النفطية، ذلك أن المضي في مزيد من خلفنة قطاع النفط قرار قديم، تأخر تنفيذه لأسباب عدة، بعضها يتعلق ـ ربما ـ بالصراع على القطاع النفطي بين الملك ورئيس الوزراء، لا أدري إن كان يصح القول بأن تفاصيلها قد تمتد إلى السبعينيات من القرن الماضي، إبان كان وزير الصناعة والتجارة الحالي د. حسن بن عبدالله فخرو ـ القريب من الملك ـ مسئولا رفيعا في هذا القطاع، وقد احتضنه الملك (ولي العهد حينها) بعد خلافه مع الوزير يوسف الشيراوي، الذي كان يعبر عن خط رئيس الوزراء الشيخ خليفة بن سلمان. (بالمناسبة ترافق صدور المرسوم 55 لسنة 2012 مع إزالة صور رئيس الوزراء من مبنى الهيئة الوطنية للنفط والغاز!).

وحين حُسم الصراع على إحالة الملف الاقتصادي لولي العهد في يناير 2008، كجزء من مشروع محموم لتركز السلطات لدى جناح الملك، لم يتدخل مجلس التنمية الاقتصادية في الملف النفطي على النحو الذي تدخل فيه في القطاعات الاقتصادية الأخرى، ربما لحساسية الملف الذي يدر نحو 80٪ من الموارد المالية للخزانة التي توصف ب (العام)، وربما لأن هناك أولويات أخرى، لكن طوال الوقت كانت أنظار مجلس التنمية الاقتصادية تحوم حول هذا الملف، الذي يشكل العمود الفقري للاقتصاد الريعي، بل لعله ما يعطي الاقتصاد معناه.

وحين أسست، في 2006، (ممتلكات) كشركة تعنى بالاستثمارات الحكومية الاستراتيجية، تم استثناء قطاع النفط والغاز من اختصاصاتها.

ولم يكن الوجود الخليفي بارزا في قطاع النفط والغاز، رغم أنه في المحصلة النهائية واقع تحت هيمنة السلطة الحاكمة، بل لعل الجانب المالي ـ الذي يدره القطاع النفطي ـ مؤثر أساسي، بل لعله المؤثر الأول في مسار البلاد، بما في ذلك قرار حل البرلمان في 1975، فيما ساهمت أسعار النفط المرتفعة (ولا أعرف إن كان ذلك من حسن حظ البلاد أو سوئها) في السنوات العشر الماضية في رفد السلطة/ العائلة الحاكمة بالأموال التي أعانتها على زيادة القبضة الأمنية، والمضي في مسار (التطهير)، وتعزيز النمط الدكتاتوري.

رأس الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة المجلس الأعلى للنفط منذ تأسيسه حتى 1980، وكان المجلس يتبع مجلس الوزراء كبقية المجالس واللجان المهمة إبان كان الشيخ خليفة الرجل القوى في البلاد، قبل إزاحته من سدة القرار مع تولي الملك مقاليد السلطة في البلاد.

وبحسب مرسوم إنشائه، "يختص المجلس بوجه عام بوضع السياسة العامة النفطية بما يضمن المحافظة على الثروة النفطية وإيجاد البدائل لها والإشراف على ما قد ينشأ من مؤسسات نفطية وتنمية الصناعات المرتبطة بالنفط بما يكفل ضمان الاستثمار الأفضل للثروة النفطية وتحقيق أكبر عائد منها".

ولعل آخر قرار مهم اتخذه رئيس الوزراء في هذا المجال كان في يوليو 2005، وهو القرار رقم "24" لسنة 2005 بإعادة تشكيل مجلس إدارة شركة نفط البحرين (بابكو) برئاسة ابنه سلمان بن خليفة آل خليفة.. لكن سلمان الابن بات الآن مثل أبيه رئيس الوزراء، وشقيقه الأكبر الشيخ علي أشبه بعاطلين عن العمل.

بعد شهرين من تعيين سلمان بن خليفة على رأس بابكو، وربما درا على هذه الخطوة، ألغى الملك في سبتمبر 2005 المجلس الأعلى للنفط والغاز الذي يرأسه الشيخ خليفة، وشكل الهيئة الوطنية للنفط والغاز وعين عبدالحسين ميرزا وزير دولة ورئيسا للهيئة، كما ألغى وزارة النفط وأحال وزير النفط  حينها عيسى بن علي آل خليفة إلى التقاعد بصفة مستشار لرئيس الوزراء لشئون النفط، وانتقل بذلك الملف كليا إلي القصر الملكي، وتحت إمرة ولي العهد، الذي تدخل على نحو لا يبدو فاقعا في هذا القطاع، حينها.

ولعل تعيين محمد بن المشير خليفة بن أحمد عضوا في مجلس إداره هيئة الفط والغاز في 2009 كان علامة أخرى على رغبة الخوالد والديوان الملكي ومجلس التنمية الاقتصادية في فرض قبضة أكثر وضوحا على هذا القطاع، بيد أن تعيين ابن المشير رئيسا تنفيذيا للشركة القابضة للنفط والغاز في سبمبتر 2011 لم يجعل مجالا للشك بأي اتجاه تنظر العائلة الحاكمة لهذا القطاع، والقطاعات الأخرى التي اتخذ قرار ملكي بخلفنتها، قمة وإدارة تنفيذية وما أدنى من ذلك، متى توافرت العناصر الخليفية، التي لا يمكنها بحسب عدد أفرادها المحدود إدارة كل مرافق الدولة مباشرة.

والسؤال الذي يفترض أن يتم البحث عن إجابات له يتعلق بالمسار الذي سيسلكه قطاع النفط، في ظل التجربة المثيرة للجدل للقطاعات التي سيرها وأدارها ولي العهد.

ويزداد هذا السؤال أهمية بالنظر إلى أن النفط يشكل مركز قوة العائلة الحاكمة التي باتت تتحكم بكل مفاصل الحياة العامة، بما في ذلك المفصل الاقتصادي، بعد أن قويت شوكتها في قبال  العوائل التجارية التقليدية بفضل نمط الاقتصاد الريعي الذي مكن الدولة من قيادة زمام المبادرة اقتصاديا، وفي كل اتجاه تقريبا.

*كاتب وصحافي بحريني.



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات

comments powered by Disqus