هل يتغير موقف الحكومة الأميركية من الأزمة البحرينية ؟

ندى الوادي - 04/08/2012م - 3:02 ص - 20771 قراءة

نسخة للطباعة حفظ الموضوع أرسل الى صديق




* ندى الوادي

هل يمكن أن تُغيّر الحكومة الأميركية يومًا موقفها السياسي تجاه ما يحصل في البحرين وتتخلى عن حليفها التقليدي مُمثلًا في العائلة الحاكمة في البلاد؟
يأتي هذا السؤال على خلفية جلسة الاستماع التي عقدتها بالأمس لجنة توم لانتوس لحقوق الإنسان في الكونغرس الأميركي لمناقشة مدى تطبيق الحكومة البحرينية لتوصيات اللجنة الوطنية لتقصّي الحقائق المعروفة بلجنة بسيوني. وعلى الرغم من أنّ الجلسة لا تُغيّر بحد ذاتها موازين المعادلة، بحكم أنها جلسة استماع لا تُصدر قرارات ولا تقترح قوانين، إلا أنها تبدو دليلًا على اهتمام الطرف الأميركي بطبيعة الصراع الدائر في البحرين حاليًا.

والحق أنه من الضروري قبل كل شيء عدم اختصار الموقف الأميركي في قضية البحرين فيما يُسمع من تصريحات الأطراف الرسمية الأميركية، فهي على الرغم من أهميتها لا تُعبر عن كافّة أجزاء الصورة، ومفتاح فهم الموقف الأميركي النهائي هو فهم طبيعة العلاقات/ الأولويات /المصالح التي تربط كافّة الأطراف التي تتشكل منها الحكومة الأميركية.

في موضوع البحرين بالذات، هناك ثلاثة أطراف ديناميكية وفاعلة في القرار النهائي داخل الولايات المتحدة: أولها الحكومة الأميركية مُمثّلة بوزارة الخارجية، وهي الذراع الدبلوماسي للأزمة، ثم الكونغرس الأميركي كممثِل شرعي ومستقل للشعب الأميركي ومصالحه ومواقفه، وتأتي وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون" طرفًا ثالثًا مهمًا للغاية لكنّه لا يظهر دائمًا في الصورة. وإلى جانب هذه الأطراف الثلاثة المؤثرة جدًا في الموقف الأميركي تجاه البحرين، تقف المنظّمات الحقوقية وغير الربحية التي وضعت غالبيتها البحرين ضمن ملفاتها الساخنة التي تُصدر بشأنها تقارير دورية.

كما قلنا سابقًا، مفتاح فهم القرار الأميركي تجاه البحرين يتمثّل في فهم طبيعة العلاقات والأولويات والمصالح التي تربط كل هذه الأطراف المختلفة ببعضها البعض. فوزارة الخارجية الأميركية مثلًا دأبت على استخدام لغة دبلوماسية جدًا في وصفها لما يجري من أحداث في البحرين مُنذ العام الماضي، وعلى الرغم من تضمينها انتهاكات حقوق الإنسان في البحرين، في تقريرها السنوي الأخير مثلًا، لكنّها تحرص باستمرار على عدم توبيخ الحكومة البحرينية علنًا.

وزارة الخارجية الأميركية

المُثير في الموضوع أنّ أعضاء وزارة الخارجية الأميركية بأنفسهم يعرفون تمامًا حجم انتهاكات حقوق الإنسان في البحرين، بل إن مواقفهم غير الرسمية قد تبدو مُنحازة جدًا للشعب البحريني ومطالبه، غير أن هذه المواقف غير الرسمية لا تظهر – ولن تظهر- في تصريحات رسمية علنًا. سمعنا كثيرًا عن لقاءات مطوّلة وبّخت فيها وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون وزير الخارجية البحريني بشدّة، وسمعنا عن لغة حادّة يستخدمها مسؤولوا هذه الوزارة مع الحكومة البحرينية خلف الأبواب المغلقة، غير أنّ وزارة الخارجية الأميركية التزمت على الدوام الدبلوماسية الشديدة في تصريحاتها بخصوص البحرين. إذ انحصرت مواقفها بالتأكيد على أنّ البحرين حليف استراتيجي مهم، وأنّ الحكومة ارتكبت أخطاء لكنّها في الطريق لإصلاحها. وتجدر الإشارة في هذا الجانب إلى دور السفارة الأميركية في البحرين المعروفة بحجم علاقاتها الواسعة جدًا واندماجها في المجتمع البحريني واطلاعها على أدق تفاصيل المشهد البحريني. يُخطِئ من يعتقد بأنّ وزارة الخارجية الأميركية لا تعرف طبيعة ما يجري من صراع في الداخل، فهي تعرف الكثير. وبناءً على هذا الفهم العميق نتجت لجنة تقصي الحقائق التي يؤمن الكثيرون بأنّها "الحل الأميركي للأزمة البحرينية".

الكونغرس

نأتي للطرف الآخر وهو الكونغرس الأميركي. ومن العدل القول بأنه لو كان هناك حليفٌ لمطالب الشعب البحريني داخل الحكومة الأميركية فسيكون هو الكونغرس. غالبية الدعوات لمناقشة المسألة البحرينية علنًا تأتي بجهود من الكونغرس، وهو الذي يقف على الدوام في جلساتٍ مطوّلة مُناقشًا ومُسائلًا وزارة الخارجية الأميركية عن مواقفها وخطواتها تجاه البحرين.

ولا ننسى في هذا الجانب قضيةً مثيرة للغاية، وهي قضية صفقة الأسلحة، المقدّرة بقيمة 53 مليون دولار، والتي كان من المقرّر أن تبيعها الحكومة الأميركية لنظيرتها البحرينية. قدّم الكونغرس قرارًا تم التصويت عليه بالموافقة على تجميد هذه الصفقة لحين تطبيق توصيات تقرير لجنة تقصي الحقائق البحرينية، وبعد فترة من الزمن فوجئ الكونغرس – الذي كشف القصة لأحد وسائل الإعلام المحلية- بأنّ وزارة الخارجية قرّرت تمرير صفقة الأسلحة نفسها بتقسيمها على دفعات كل دفعة بمليون دولار وذلك حتى لا يمر قرار الصفقة على الكونغرس من أجل التصويت عليه - إذ ينص القانون على أنّ الصفقات الصغيرة لا تتطلّب تصويت الكونغرس عليها-. لا يزال هذا الموضوع عالقًا لكنّه محطّ اهتمام وتركيز من قبل عددٍ من الأعضاء في الكونغرس الأميركي.

وأعضاء الكونغرس يمثلون الشعب الأميركي كلٌّ في منطقته، وعلى الرغم من أن مواقف أعضاء الكونغرس مُتباينة، فكثيرٌ من الجمهوريين يؤيدون الطرف الحكومي في البحرين، إلا أنّ جهودًا حثيثة في ملف البحرين الحقوقي والسياسي خرجت من الكونغرس. ويُخصّ بالذكر هنا عضو الكونغرس جميس ماكجفرن والسيناتور رون وايدن، اللذان حملا على عاتقهما في أكثر من مفصل قضية البحرين. ويفسّر البعض حماس ماكجفرن لهذه القضية بالذات من باب تعرّضه للتعذيب شخصيًا وحماسه في الدفاع عن ضحايا التعذيب. أما وايدن فيبدو مُلمًّا جدًا بالمشكلة السياسية في البحرين، وهو الأمر الذي اتضح جليًّا في شهادته أمام جلسة الاستماع يوم أمس، إذ يؤمن وايدن بأنه دون وجود حلٍّ سياسي حقيقي في البحرين، لا يمكن تحقيق استقرار في الداخل مما يُهدّد المصالح الأميركية. ويقف عددٌ آخر من أعضاء الكونغرس مع مطالب الشعب البحريني إما حماسًا للملف الحقوقي، أو من باب ضغط دوائرهم الانتخابية المحلية – هناك العديد من الأميركيين في ولايات معيّنة يقفون بقوّة مع مطالبات الشعب البحريني ويراسلون ممثليهم في الكونغرس بشأنها- .

وزارة الدفاع الأميركية

الطرف الثالث وهو أحد أهم الأطراف المؤثّرة في هذه القضية هو وزارة الدفاع الأميركية طبعًا، وهو طرفٌ يمكن شرحه باختصار شديد للغاية، فمن يُمثّل هذا الطرف عندما ينظر إلى البحرين يرى " شبح إيران"، وهو أمرٌ لا يُمكن تغييره بالنسبة إليه، ولا مجال للنقاش فيه ولا حاجة، ناهيك طبعًا عن أهمّية وجود قاعدة الأسطول الخامس الأميركية في البحرين، إذ من المهم للأميركان الحفاظ على وجود هذه القاعدة واستقرارها.

المنظمات الحقوقية وغير الربحية ومؤسسات دعم الديمقراطية

يبقى طرف مهم ولكنه غير مؤثر كثيرًا في القرار الأميركي برأيي وهو المنظمات الحقوقية وغير الربحية والداعمة للديقراطية. دأبت المعارضة البحرينية على الاعتداد بالتقارير التي تُصدرها هذه المنظمات والتي وُصفت إجمالًا بوقوفها القوي إلى جانب مطالب الشعب البحريني الديمقراطية، غير أنّ هذه المنظمات رغم أهمية عملها وجودته تُعتبر جزءًا لا يتجزّأ من منظومة السياسة الأميركية العامّة، بل إنّ عددًا من هذه المنظمات يتلقّى الدعم في عمله من وزارة الخارجية الأميركية نفسها، كمنح مُخصّصة لمناطق مُعيّنة من العالم، لمساعدتها على الانتقال للديمقراطية . وتتم الاستعانة بهذه المنظمات من قبل الحكومة الأميركية أو الكونغرس لحضور اللقاءات والجلسات والنقاشات وتقديم التقارير بشأن ما يجري في هذه الدول. ومن المهم الالتفات إلى أنّ وجود هذه المنظمات هو جزء من التجربة الديمقراطية الأميركية ، فهي تملك الحرية في أن تكتب ما تريد وتقول ما تريد، لكن القرار الرسمي لا تحكمه بالضرورة نظرة هذه المنظمات. وبعضها يُنتقد كثيرًا في تعبيره عن السياسة الأميركية في عمله، فمثلًا يتهكّم الكثيرون حول مؤشر الحريات الصحافية الذي تُصدره مؤسسة فريدوم هاوس كل عام بوصفه تعبيرًا عن رؤية السياسة الأميركية للحرية في دول العالم.

غير أن كثيرًا من هذه المنظمات تنظر بإخلاص للملف البحريني لاعتبارات خاصة، وعلى رأسها علاقة هذه المنظمات " الشخصية" مع بعض نشطاء حقوق الإنسان البحرينيين –كنبيل رجب والخواجة- وزمالتهم معهم على مدى سنوات مثل المؤسسة الوطنية للديمقراطية NED ، أو لإيمان عميق بإمكانية بدء مشروع ديمقراطي حقيقي في المنطقة بدءًا بهذه الجزيرة الصغيرة ذات الأغلبية المتعلمة تعليمًا عاليًا، وهو ما يؤمن به المعهد الديمقراطي الوطني NDI مثلًا.
هل يتغير الموقف؟

تحكم الأطراف السالفة القرار الأميركي تجاه البحرين وتساهم في التأثير فيه، وهو قرار تحدّده المصالح والأولويات ، فكل طرف من هذه الأطراف يضع المصالح من اتخاذ موقفٍ ما والخطورة فيه، ويضع الأولويات التي ترسم خريطة القرار النهائي. ولا يخفى أنَّ القرار النهائي لم يضع للبحرين أولوية خصوصًا بالمقارنة مع سوريا حاليًا-. في حين أنّ المصالح التي يضعها البنتاغون في صدر قائمته وهي "الحفاظ على الاستقرار والخوف من الخطر الإيراني" تغلّبت على المصالح التي وضعتها منظمات دعم الديمقراطية وأعضاء الكونغرس، والتي تمثلت في أنّ "دعم بحرين ديمقراطية سيكون أفضل للولايات المتحدة على المدى البعيد".

وهناك عاملٌ آخر مهمٌّ للغاية في رسم القرار الأميركي تجاه البحرين، فكافّة الأطراف الثلاثة بحكم اطلاعها على المشهد السياسي في البحرين تتخوّف من الخطاب المتطرف وتسعى لتقوية المُعارضة المُعتدلة، وهي في هذا الجانب تعتبر جمعية الوفاق على رأس الأطراف المُعتدلة، لكنها تخشى أن لا تستطيع الوفاق السيطرة على الشارع تمامًا. وبحكم المدرسة الديمقراطية الأميركية ينظر الطرف الأميركي للمعارضة البحرينية بتوجّس، فهو يُحب التعامل مع تكنوقراطيي هذه المعارضة – حتى الإسلاميين منهم من لابسي البدل الإفرنجية-، لكنّه يتوجّس من قيادة علماء الدين- ذوي العمائم الدينية- لتيار الوفاق مثلًا، هذه حقيقة تؤثّر في القرار الأميركي كثيرًا. وهو القرار الذي يعتبر أنّ موقف الوفاق بالانسحاب من مجلس النواب "سلبية سياسية" كان يُمكنها تفاديها عبر "فعلٍ سياسي" تُعطّل من خلاله عمل البرلمان وهي في الداخل. وهو نفسه القرار الذي يتخوّف من المعارضة الدينية ويميل للطرف الحكومي الأكثر ليبرالية.

حاليًا اتفقت معظم هذه الأطراف الأميركية على ضرورة دعم المعارضة "المعتدلة" وتقويتها ودعم حوارها مع الحكومة عبر وسيط أو من غير وسيط. لكن من الواضح أن تغيير الموقف النهائي الأميركي تجاه البحرين لن يحصل في أي وقت قريب.


* ندى الوادي: كاتبة وصحافية بحرينية مقيمة في الولايات المتحدة الأميركية






التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات

comments powered by Disqus