»

المثقف المتحف

21/08/2012م - 1:47 ص - 3249 قراءة

نسخة للطباعة حفظ الموضوع أرسل الى صديق



جاسم العويك*

من البديهيات أنّ المُثقّف الحقيقي ليس هو من يحفظ ترسانة من المعلومات الخام ويصبح بذلك كمثل الحمار يحملُ أسفارًا، وليس بذلك الحافظ لجملة من المصطلحات "كالتقدّم" و"التنويرية" و"قوى الظلام" والتي يُردّدها كالببغاء بمناسبة وبدون مناسبة، كما يفعل كتاب بعض صحف الموالاة، ولكن من يُفترض أنّه المُثقف الحقيقي هو ذلك القادر على تحليل أُسس جميع السلطات السياسية والاجتماعية، وتناولها فضحًا وتدقيقًا، جاعلًا من ذاتهِ وعيًا حرًّا نقيًا لا تتلبّسهُ أرجاسُ القوّة بلبُوسها، وأن يُصبح كما يقول نيتشه "ينظر من فوق جبلٍ لكلِّ البشر". ولكن يبدو أنَّ المُثقّفين لم يفهموا معنى الجبل بما هو حكمة وتَرَفُّع عن الصغائر، بل هو عُزلة وتكبُّر.

مالم يستطِع المُثقّف إيجاد لغته الخاصة، والتي من خلالها فقط يكتشف العالم، فإنّه لابُدَّ وأن يدور في جوقةٍ ما وتختفي فرادته التي هي جوهر كل كتابة. فما الفرق بين السلطة وكاتبٍ مثل "منظر المسرح التجريبي" مثلًا -والذي يعدُّ نفسه "مُبدعًا"- إن كانت لغته لاتختلف عن لغة ولي الأمر؟ نعم، من حقّهِ أن يختلف، وأن تكون لهُ وجهة نظرٍ مُختلفة عن المُعارضة، لكن أن تُصبح لغة السلطة بإنشاءاتها ومُفرداتها علفًاً يلوكه في كلِّ وجبةٍ من حبر، فذلك يعني أنّه تخلى عن ذاته "المُبدعة"، وباع روحه لشيطان الذهب الأسود.

دور المثقف هو فضح جميع السلطات، وأداته في ذلك " العلم" ووسيلتهُ اللغة، وعندما يؤدّي دوره كما هو منوطٌ بهِ، تتعامل معهُ السُلطات باستراتيجاتٍ مُتعدّدة، بعضها أكثر خبثًا من أن يكتشفه الفرد، وماهو أكثر خطورة هو ما يدخل وعي الفرد دون أن يشعر، فيضع لنفسه خطوطًا حمراء، ويصبح وعيهُ مؤطّرًا.

تبدأ السلطة بالإقصاء البطيء والناعم، وتجاهُل المُثقّف في وسائل الإعلام والإذاعة، أو تلجأ إلى إعطائهِ منصبًا / مُستشارًا ثقافيًا، مثل الأنصاري، الذي يقول إن الديمقراطية البريطانية هي هبةٌ من الحاكم عندما يرى أنّ الشعب أصبح ناضجًا ومؤدّبًا، مُتجاوزًا بذلك التاريخ الدموي لمسيرة الديمقراطية الملكية البريطانية، أو مثل الشاعر المستشار الذي ترك "أنين الصواري" واتجه إلى قصائد "البطش ".

وعندما تجد السلطة مُثقّفًا مُؤثّرًا ولا يُمكن شراؤه، أو لا يكفي تجاهلهُ وإقصاؤه، تلجأ إلى ماهو أخطر، وهو أن تجعل منهُ "متحفاُ" (لا يهش ولا ينش) بما يخدم واجهتها الثقافية، وهو الدور الذي أحسنت استغلاله مع أحد كبار الأدباء، الذي يقول في إحدى لقاءاته: "علينا أن نتعامل مع المنامة، عاصمة الثقافة، كحدثٍ ثقافي بمعزلٍ عن السياسي"، وهذا كلامٌ لا غُبار عليه سوى أنه يفتقد الصدق، وأنه عمليًا سواءً شئت أم أبيت، سيتمُّ استغلال الحدث سياسيًا، هو كمن يُخادع، فهل يُمكن أن يُشارك مثقف في مهرجان لجمعية سياسية كالوفاق أو وعد مشاركة ثقافية بمعزلٍ عن السياسي مثلًا؟!

عندما سُئل الماغوط : كيف تسمح لكَ السلطات بالكتابة بكل هذهِ الصراحة، أجاب بعفويته المعهودة: لأنّني أصبحت متحفًا. يُدرك الماغوط ذلك، ويسخر بكلِّ مرارة، وهو يُمارس دوره في فضح ذاتهِ أيضًا، التي هي سُلطةٌ أُخرى!

هم، بالمناسبة، يحاولون أن يفعلوا الشيء ذاته مع الراحل عبد الرحمن النعيمي، الذي حاربوه طيلة حياته، وعندما لم يفد الإقصاء والتجاهل، يريدون تحويله "متحفًا " أو كما يقول محمود درويش: "يريدونني ميتًا كي يمدحوني ليقولوا كان منا وكان لنا"

أمام كل تلك الحيل التي تستخدمها السلطة، تمَّ وضع ثقافة شعبٍ كامل في الثلاجة،  وأصبح التراث والتاريخ والفن والوعي مادّةً  للتسلية في برامج تاء الشباب، أصبح ديكورًا وماركاتٍ تجارية، أو دكاكين للأزياء والمكياج" على رأي السيد ضياء الموسوي الذي يُحبُّ استخدام مثل هذهِ التعبيرات، وهو المُثقّف التنويري الذي، بعد ثورة 14 فبراير، التزم الغيبة الصُغرى .

إنّ دور المُثقّف الحر بعد 14 فبراير هو أن ينتشل من الأنقاض كلَّ الركام الذي عملت السلطات على طمسه، لتُصبح هي الحكاية والشعر، وشاركها المُثقّف بذلك دون وعيٍ منه في الأغلب.

*كاتب بحريني.



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات

comments powered by Disqus