»

هل أضاع شارع (الفاتح) الفرصة؟

07/10/2012م - 11:40 ص - 18215 قراءة

نسخة للطباعة حفظ الموضوع أرسل الى صديق



خليل سلمان*

عادةً ما تكون الأحزاب الصغيرة هي بيضة القبان التي يريد أن يخطب ودها الجميع، خصوصًا الكبار. على سبيل المثال، هذا ما حدث بالنسبة للحزب الديموقراطي الليبرالي في بريطانيا في الانتخابات الأخيرة. قطفت رئاسة الوزراء من بين فكي حزبين عريقين تاريخيين تناوبا على احتكار مفاصل النظام السياسي البريطاني. لم تكن صدفة وضربة حظ، بل قيادة حكيمة فاعلة استطاعت اقتناص ذلك النصر.

المكوّن السنّي في البحرين لا يمثل أقلية، لكن وجوده يفتقد إلى قيادة حكيمة تدافع عن حقوقه، فوضعه الواقعي متشرذم بين مصالح الإخوان، وبراجميته النفعية الأنانية، وبين تشدد السلف بخوض معارك وهمية ضد الفكر الشيعي الصفوي وامتداداته ومطامعه التوسعية. 

تجمع (الفاتح) الأول، كان بيضة القبان لهذا الشارع وفرصته الذهبية للمطالبة بحقوقه المسلوبة والضائعة. لكن قيادة هذا التجمع ضيعت الفرصة بتسخيرها إياه، إلى شن حرب علنية مع المكون الشيعي الشريك، واعتباره عدوًا متربصًا، فيما هي حرب بالوكالة، خاضها التجمع (نيابة عن الحكم) مع المكون المشاكس والمزعج للنظام.

التجمع تم تفتيته بعد انكشاف المعركة سريعًا، وقبل أن يتحوّل إلى كيان قد يهدد الحكم. فُعل بقائده ما فعله العباسيون بأبي مسلم الخراساني؛ حقق الانتصارات للعباسيين ثم اغتالوه بعد أن تم لهم النصر، وقبل أن يستشعر قيمة ما قام به ويطالب بحصته في الحكم أو ينقلب عليهم.

أول إخفاقات هذا التجمع، كانت التسمية التي اختارها لنفسه: تجمع الفاتح، ثم أبناء الفاتح، وصحوة الفاتح. من هو"الفاتح"؟ هو رمز  عائلة آل خليفة. منذ البداية اختار هذا التجمع لنفسه أن يكون تابعًا لآل خليفة، وبالفعل لم يوجه هذا التجمع للمطالبة بحقوق الشعب، ولا للدفاع عن مصالحه، بل ولا حتى عن مصالح الشارع الذي ادعى أنه يمثله، بل وجه لخوض معركة نظام الحكم مع المعارضة، والتي معظم قوامها من المكون الشيعي، فبدت وكأنها معركة سنية شيعية في حين هي في الأصل معركة بين نظام حاكم قبلي فاسد، وقطاع ثائر ضد ما سُلب من كرامته وحريته وثروته وقراره. 

الإخفاق الثاني، هو جعل أنفسهم لعبة في يد الحكم يعبث بهم كيف يشاء. ترديد فبركات مثل: إقامة جمهورية ولاية الفقيه، وترحيل (السنة) وتهجيرهم من البحرين بعد ترحيل (آل خليفة)، وشنق (السنّة) بالرافعات التي نصبت ثلاث منها لآل خليفة وواحدة للسنة، واحتلال السلمانية لقتل السنة وحرمانهم من العلاج، وقطع لسان المؤذن لأنه سني، وقتل سائق التاكسي لأنه سني، وأحداث الجامعة والأكاذيب التي مورست ضد الشارع (السني تحديدًا) ليُشحن ضد شريكه المجتمعي. وهي أكاذيب آخذة في التكشف يومًا بعد يوم، ليتجرع هذا الشارع الصدمات من لعبة النظام واحدةً تلو الأخرى. 

الإخفاق الثالث هو التفاوض. كان ذلك في فبراير 2011، عندما طرح ما يعرف بمبادرة ولي العهد. النظام أحالها إلى مفاوضات طائفية: مكوِّن (سني موالي) يفاوض مكوِّن (شيعي معارض)، حيث كان الأول يفاوض الثاني لا على مكاسب سياسية يتحصّلها من عملية التحول، بل على حماية مكاسب الحاكم في الاستئثار بالحكم، والسلطات، والثروة، والقرار.

ثم جاءت مرحلة ما عُرف بحوار التوافق الوطني لتكرار الفشل نفسه. الفريق الموالي معركته الأساسية شن الحرب على المعارضة وتخوينها وإسقاط مطالبها، لا تحقيق أي مطالب للشعب ولا حتى لشارعها نفسه. لم ينتج عن (الحوار) أي مكسب خدمي لصالح الناس. الزيادة في الرواتب التي حدثت جاءت بعد ما قدّمه الشارع المعارض من تضحيات جسيمة وطويلة. 

لم تنته الإخفاقات طوال سنة تلت الحوارالفاشل، ولم يستفد أقطاب المكون (السني الموالي) من وجودهم في البرلمان في تحقيق أي مكسب معيشي لمن يمثلونهم، بل لم يستطيعوا أن يدافعوا عن كرامتهم، فضلًا عن كرامة من يمثلونهم، عندما وصفوا بأنهم ليسوا برجال -بعد وصف الوزيرة مي آل خليفة لأهالي المحرق (الذين هاجموا أحد بيوتاتها) بالمرتزقة- واكتفوا بحروب التطهير التي قادها نواب التطهير الطائفي، مقابل فتات من العطايا، ومنصبين وزاريين، كترضية شخصية ليست لها علاقة بأية مكاسب للشارع. 

ولم تكن الإخفاقات محصورة في السياسيين والقيادات الدينية، بل شملت نُخبًا وكوادر ومثقفين وشباب، سُخّرت كلها للدخول في الحرب الوهمية بين (السنة والشيعة)، لتدافع عن انتهاكات حقوق الانسان الذي قام بها النظام ضد فئة من الشعب، مقابل مكاسب شخصية، من فتات الوظائف والعطايا والهدايا، كان ممكن أن يحصلوا على أكثر منها من خلال استحقاقهم الطبيعي والشرعي، وليس بمنّة من الحكم ولا قيمة لحرب لا أخلاقية وحرب بالوكالة. 

المتوقَّع، أن يستمر هذا الإخفاق في أي حوار قادم، وأن تستمر حرب (الوكالة عن النظام) بدلًا عن (الوكالة عن الشعب). هذا النمط أسس لقيادات فئوية طائفية تتحرك من أجل منفعة ذاتية، ذلك أن زعماء الشارع (السني) المؤثرين فيه في الوقت الحالي، هم وكلاء للنظام الحاكم، لا وكلاء عن الشعب المحكوم ولا مدافعين عنه. 

الزعامات البارزة على الساحة السنية حاليًا، لا تشبه تلك القامات الشامخة التي سطرت أروع صحف التاريخ الوطني كالشملان والباكر والذواذي والنعيمي وغيرهم الكثير، ممن خاضوا معركة الوطن ضد الاستبداد والاستئثار والظلم، ووحدت المعركة بين حكم مستأثر وشعب مظلوم مسلوب سنة وشيعة. 

الزعامات البارزة على الساحة السنية حاليًا، لا تشبه أيضًا الشخصيات الوطنية، مثل المناضل إبراهيم شريف، أو الوطني د. علي فخرو، أو النائب السابق جاسم مراد، أو الشباب البارز كالمناضل محمد البوفلاسة، وكثير من الشخصيات الشبابية التي يفضل عدم ذكر اسمها كي لا تستهدف، إلا أن كل هؤلاء للأسف يحاربون في أوساطهم الاجتماعية، تارة تحت عنوان العلمانية، وتارة تحت عنوان المروق عن طاعة ولي الأمر وشق عصا الجماعة.
 
أسفًا، فقد قاد السواد الأعظم من الشارع السني، قيادات ونخب، حربًا بالوكالة عن النظام وعن حكام الخليج لإبعاد الديموقراطية عن الخليج وليس عن البحرين فقط، عندما اصطّفوا مع الحكم وضيّعوا الفرصة لمكاسب لهم. كما قاد السلف الخليجيون والبحرينيون حرب الديموقراطية في سوريا بأموالهم وأنفسهم وفلذات أكبادهم، بينما يخوضون حرب وأد الديموقراطية في الخليج والبحرين، فزعيم السلف الروحي "السابق" يخاطر بنفسه وبحوارييه لينجد الشام، فيما أسماها حرب الإسلام في سوريا، بينما يقاتل من أجل بقاء استئثار "أنسابه" بالحكم والثروة والقرار مقابل وظيفة لولده البكر (عبد الرحمن).

ومع مرارة ما مرَّ من إخفاقات، إلا أن الفرصة لا زالت مواتية لاقتناص بيضة القبان، وهذا يحتاج إلى ثورة داخلية في قاعدة الشارع السني، لفرز قيادة حقيقية تدافع عن حقوق المواطنين وتخوض معركة الشعب لا معركة النظام. قيادة تفاوض المعارضة والنظام وتستطيع أن تكسب من الاثنين، دون أن تخسر الاثنين، ودون أن تخوض حربًا لا أخلاقية، وحتمًا ستكون مكاسبها أكبر مما لو واصلت خوض حرب الحكم على الديموقراطية باسم الحرب على الشيعة وتطلعاتهم التوسعية الصفوية.  هنالك فقط يصبح المكون السني بيضة القبان التي يخطب ودها الجميع!


* كاتب بحريني. 


التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات

comments powered by Disqus