ضياء الموسوي وسيكوباتية الاستعصاء على الثقافة!

إبراهيم علي - 2026-04-16 - 12:11 م

مرآة البحرين: عادة ما يبدأ انحطاط الإنسان إما بسبب هوسه (التعلق المرضي) [عن الأمير عليه السلام: من عَشِق شيئاً أعشى بصره وأمرض قلبه، فهو ينظر بعين غير صحيحة، ويسمع بأذن غير سميعة، قد خرقت الشهوات عقله وأماتت الدنيا قلبه]، أو هواه (الذاتوية أو التمركز حول الذات) [يقول الأمير عليه السلام: الهوى شريك العمى].

وبهذا الأمر بدأ ضياء الموسوي انحطاطه شيئاً فشيئاً، ولا يكاد المرء يصاب بالهوس والهوى إلا وأرداه صريعاً، وقد بدأت هذه الحالة تتفاقم وتتدحرج إلى أن تمظهرت نفسياً على شكل "متلازمة ستوكهولم" (تعاطف الضحية مع المعتدي)، مروراً بمرحلة "الرضوخ النفسي والانهزامية المرضية" (اعتقاد الفرد بأن موازين القوى ثابتة ولا يمكن تغييرها)، عبوراً لمرحلة "الاستلاب أو العبودية الطوعية" (يتبنى المظلوم المنظومة الفكرية للظالم ويرى في أحكامه ونمط حكمه الحقيقة المطلقة)، وصولاً لمرحلة ما يسميه مصطفى حجازي بـ"التماهي بالمتسلط" أو ما تسميه آنا فرويد بـ"التماهي بالمعتدي" (الإعجاب بالمتسلط أو المعتدي، سواء في تبني بطشه وتهديده، أو في تمثّل أسلوبه الحياتي وقيمه، مع وجود رغبة دفينة في تقمص مقام مماثل لمقامه باعتبار مقامه يشكل الحالة الحياتية المثلى)!

ولأنّ هذه الحالة التي يمرّ بها الموسوي مركّبة من عدّة حالات سيكوباتية، فهي كافية لاختزال عدّة حالات مرضية في حالة واحدة، يكاد أن يكون فيها كلّها، بداية من الثوري المنفلت، ثم الوسطية غير الوسطية، حيث كان إما واقعاً بين إفراط أو تفريط، وصولاً للانحطاط الكامل والانتقال لمرحلة التنكر للجماعة السابقة، والانخراط في حرب عشواء عليها وتبخيسها، والارتماء في أحضان السلطة وتبني سرديتها بالكامل، وهي صيرورة ليست فكرية كما يحب الموسوي أن يصفها، ليعبّر عن بطولة تنويرية أو استبصارية في التحول، بل حالة سيكوباتية لا يمكن الفرار منها، وقد مرّت بجميع المراحل التشخيصية لبلوغ حالة الاضطراب والمرض في علوم عدّة، من بينها علم الأخلاق الإسلامي، وعلم النفس بمختلف مدارسه.

والغريب أن الرجل، على ما مرّ به من هذه الحالات، التي بدت عياناً للناس جميعاً كمسلسل طويل لا تزال حلقته الأخيرة غير مكتملة، أخذ في الفترات الأخيرة يقدّم وصفات للسعادة، معتقداً أنه يقوم بمهمة تاريخية لتخليص الناس مما هم فيه، فبات يحترف إسقاط حالات سيكوباتية عليهم، أشد ما تنطبق عليه هو نفسه. في شطحاته حول ما يسميه "فندق السعادة"، يسطّر لنا الموسوي موازنات بين الجسد والروح والثقافة والمال والمجتمع، لكنه لا يقول لنا شيئاً عن "غرفة الضمير الأخلاقي"، يحدّثنا كثيراً عن "المال" كغرفة لا يمكن تجاوزها، لكنه لا يقول لنا شيئاً حول كيفية كسب هذا المال، وهل يسعد الإنسان من بيع دينه ومواقفه السياسية وضميره الأخلاقي؟ هل سقط الموسوي في غرفة المال كما سقط في غرفة الضمير؟ وهل ظن أنه نال ما نال من مال وقرب من السلطة بفضل جدارته؟ ربما ظنّ أنه يمتلك مواهب لا يمتلكها أغلبية الشباب البحرينيين لذلك حظي بعضوية مجلس الشورى ومناصب استشارية هنا أو هناك، ربما ظنّ ذلك على سبيل الفكاهة، أو ربما ظنّ أن المال استحقاق كيفما كان طريقة كسبه، حتى لو كان بالارتماء في حضن الشيطان!

نحن هنا لا نثير غباراً فقهياً في وجه الموسوي، فنحن نعرف أنه لا يستسيغ سماع شيء عن حلال الفقهاء وحرامهم، نحن حتى لا نريد منه أخلاق صاحب جامع السعادات ولا صاحب المحجة البيضاء، لا نريد منه معيارية أخلاق القرب الإلهي التي تهدده بالثواب والعقاب، لكننا نريد أخلاقية الواجب الكانطية على الأقل، نريد سنداً عقليّاً لكلّ هذه الإباحية الضميروية اللاهثة وراء سلاطين الشرّ وأشرّ السلاطين!
ثم فلنتساءل: هل ينتمي ضياء الموسوي لمذهب النفعية؟ كيف يسعد الإنسان وهو يهتف للديكتاتورية ويحامي عن الاستبداد ويمتطي جواداً يهرع فوق جثث المعارضين ويرفع بندقية في جيش التخلف والتبعية وأنظمة الدم والزنازين؟ كيف يقف فوق جبل صهيون لينادي على المجزّرين برفع الراية البيضاء؟ أين وضع الرجل نفسه وعن أيّ سعادةٍ يحدّثنا؟ وكيف يريدنا أن نصدّقه؟!

بالعودة لمصطفى حجازي، يكاد يكون وصفه عن "التماهي بالمتسلط" هو وصفاً لضياء الموسوي نفسه. في كتابه "سيكولوجية الإنسان المقهور" يضع حجازي يده على تدهور نفسي وعقلي وأخلاقي وفكري كبير في علاقة المتماهي بالمتسلط، يكشف لنا عن تداع كثيف للقيمة الإنسانية يصل حدّ الانشطار، لتبلغ العلاقة مع المتسلط (السلطة) أشدّ درجات السادومازوشية، أي قبول التسلط والرضوخ له، في جو من الإفراط في الرهبة والإعجاب معاً، فتتوجّه حينها كلّ القيم الإيجابية إلى المتسلط، وكل القيم السلبية إلى الإنسان المقهور، ويبدو أن لا أمل في الخلاص من هذا المأزق الوجودي إلا بالاقتراب ما أمكن من المتسلط، والتنكّر الشامل للذات ولانتماءاتها التاريخية والاجتماعية.

حجازي يحدّثنا عن استغلال المتسلط لهذه الظاهرة من خلال العمل على تغذيتها بكل السبل، والتأكيد على ضعف وجهل وتأخر ومهانة وتخلف الإنسان المقهور، فيغرس المتسلط هذه الصورة في نفس ضحيته غرساً في عملية تبخيس تحاصره من كل جانب، وتحط من قدره وتسفل كل ما يمت إليه بصلة، سواء كان تراثه أو عاداته أو قيمه أو إمكاناته، إلى أن تصل إلى حد التدمير المنظم لذات الإنسان المقهور، لحشره في الطريق المسدود الذي لا خروج منه إلا بالرضوخ أو الاستلاب من خلال الذوبان في عالم المتسلط.

يؤكد حجازي أن الأمر يؤول في النهاية إلى تحوّل الضحية إلى حليف غير مباشر للمتسلط -ونحن هنا نتجاوز تفاصيل حجازي للاختصار-، وعند هذا الحد ينقاد إلى عملية استلابه، يتنكر لذاته ويحارب مصالحه، وبقدر تزايد تلك الحرب، يربط نفسه بقيود تأسره في فلك المتسلط.

من بعد هذه المرحلة، يصف لنا حجازي كيف تشعر الضحية عند بلوغها هذه الوضعية بالجمود والتخدر الذاتي، فترافقها الآلام المعنوية وانعدام القيمة التي تصل إلى حدٍّ لا يطاق، لهذا تظهر عاجلاً أم آجلاً محاولات الهروب للأمام، إنكاراً للمأزق من خلال نفي الذات وقلب الأدوار، فيتحول الإنسان المقهور من ضحية إلى معتد على أمثاله الأضعف، وبالتالي إلى أداة بطش في يد المتسلط، في حالة من الاستزلام منه، وبلوغ ما يسمى بـ"التماهي بالمتسلط"!

وتدليلاً على هذا المنحى في تحولات الموسوي السيكوباتية، فقد عُرف الرجل منذ تحوّلاته غير الثقافية بما يُعرف بظاهرة "النكوص نحو المراهقة"، برزت من خلال سلوكيات "حديث النعمة" وتعويض ما فات بسلوكيات استعراضية من خلال المغالاة في المظاهر وارتداء ملابس الصبيان وسلاسل الغلمان وركوب السيارات الرياضية والفارهة، في استهلاك محموم للفاشن والماركات الحديثة، وابتذال مضحك لكلّ الوقار السابق الذي عاشه سنوات كان متنسّكاً بالعمامة السوداء، وهو سياق لا ينم عن تحولات فكرية عميقة كما في حالات المفكرين الكبار الذين تبرز صفات عدم الاعتناء بمظاهرهم والاحتفاظ بمظاهرهم السابقة تعبيراً عن الجديّة البحتة، وإنما عن حالة سيكوباتية لبيع الأخضر واليابس على السلطة، حتى لو كان ذلك بالتهتّك وركوب مراكب الخسّة والدناءة والتهريج!