حين يصبح التنظيم قصةً أكبر من الشعائر

عبد الله البحراني - 2026-07-23 - 5:59 ص

مرآة البحرين: كل عام، يعرف البحرينيون متى يبدأ موسمهم الديني، لكنهم لم يعودوا يعرفون كيف سينتهي. فمع كل تعميم جديد، يتراجع الحديث عن المناسبة نفسها، ويتقدم الجدل حول ما يجوز وما لا يجوز، وما يُسمح به وما يُمنع، وكأن المشكلة لم تعد في إحياء الشعائر، بل في كيفية السماح بإحيائها.

هذه المرة، لم يكن النقاش حول ذكرى وفاة الإمامين الحسن والرضا عليهما السلام بقدر ما كان حول التعميم الصادر عن الإدارة العامة للأوقاف الجعفرية، الذي قصر العزاء على المآتم ومحيطها، وأغلق مكبرات الصوت الخارجية، وحدد وقت انتهاء الإحياء، مع الإبقاء على خروج المواكب في مناسبات أخرى. وبين مؤيد يرى في ذلك تنظيمًا، ومعترض يراه تضييقًا، ضاع السؤال الأهم: متى يبقى التنظيم تنظيمًا، ومتى يتحول إلى شيء آخر؟

المشكلة ليست في أن تنظم الدولة المجال العام. فلا توجد دولة تترك الشوارع والفعاليات الجماهيرية بلا ضوابط، ولا أحد يجادل في حق السلطات بتنظيم الحركة أو السلامة أو المرور أو الأمن. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح التنظيم غاية في ذاته، وعندما يبدو أن الشعيرة هي التي ينبغي أن تعيد تشكيل نفسها لتناسب القرار، بدل أن ينطلق القرار من فهم طبيعة الشعيرة وتاريخها وحضورها في المجتمع.

فالمواكب في البحرين ليست نشاطًا موسميًا ظهر بالأمس حتى يُتعامل معه بوصفه تجربة جديدة تحتاج إلى اكتشاف. إنها جزء من الحياة العامة منذ أكثر من قرن، ارتبطت بتاريخ المدن والقرى، وبنشأة المآتم، وبالأوقاف، وبالعمل الاجتماعي، وبذاكرة أجيال كاملة. ومن الصعب اختزال كل هذا التاريخ في تعليمات تصدر مع كل موسم.

ولعل المفارقة أن المواكب استطاعت أن تعبر مراحل أكثر تعقيدًا من حاضرنا؛ عاشت تحولات البحرين الاقتصادية، وانتقلت من مجتمع الغوص واللؤلؤ إلى مجتمع النفط، وشهدت تغيرات الدولة الحديثة، وتكيفت مع مراحل مختلفة من التنظيم الإداري. لم تكن ثابتة في تفاصيلها، لكنها بقيت ثابتة في معناها. ولهذا، فإن أي قرار يتعلق بها لا يُقاس فقط بما يفرضه من إجراءات، بل بما يتركه من أثر في الوعي العام.

ويكشف التاريخ البحريني مفارقة أخرى. فكلما ضاقت المساحة أمام الشعائر، ازدادت رسوخًا في وجدان المجتمع. فالهوية لا تنكمش بالقرارات، بل كثيرًا ما تزداد تمسكًا بنفسها عندما تشعر أنها موضع اختبار. ولذلك، فإن التجربة التاريخية تقول إن إدارة هذه الملفات بالحوار والاحتواء كانت دائمًا أكثر نجاحًا من إدارتها بمنطق التعليمات وحدها.

ومن هنا، لا تبدو القضية مجرد خلاف على ساعات الإحياء أو استخدام مكبرات الصوت أو خروج موكب من عدمه، بل خلاف على الفلسفة التي تحكم العلاقة بين الدولة والمجتمع. فهل يُنظر إلى الشعائر باعتبارها عبئًا إداريًا ينبغي تقليصه كلما أمكن، أم باعتبارها جزءًا من المجال العام ينبغي تنظيمه بما يحفظ حضوره ويحقق في الوقت نفسه متطلبات النظام العام؟

وهذا السؤال ليس نظريًا كما قد يبدو. فالدستور البحريني لم يتحدث عن حرية العبادة باعتبارها شأنًا خاصًا داخل دور العبادة فقط، بل نص أيضًا على حرية إقامة المواكب والاجتماعات الدينية وفق العادات المرعية في البلد. والمعنى الواضح لهذا النص أن المشرع لم ينظر إلى المواكب بوصفها استثناءً مؤقتًا، وإنما باعتبارها جزءًا من الواقع البحريني الذي يستحق الحماية والتنظيم معًا.

وحتى في القانون الدولي، لا يدور النقاش حول حق الدولة في التنظيم، فهذا حق مستقر. وإنما يدور حول معيار أبسط من ذلك بكثير: هل يساعد التنظيم الناس على ممارسة حقهم، أم يجعل ممارسة الحق أكثر صعوبة؟ هنا فقط يظهر الفارق بين تنظيم يهدف إلى التيسير، وتنظيم ينتهي -من حيث النتيجة- إلى التضييق.

وربما لهذا السبب لم تُقرأ القرارات الأخيرة بمعزل عن السياق الأوسع الذي تعيشه البلاد. فخلال السنوات الماضية، ظل ملف الحريات الدينية حاضرًا في تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية، كما ظل محل نقاش داخل المجتمع البحريني نفسه. وليس المهم هنا الاتفاق أو الاختلاف مع تلك التقارير، وإنما إدراك أن أي قرار جديد لن يُقرأ بوصفه صفحة منفصلة، بل بوصفه جزءًا من كتاب بدأ قبل سنوات.

الأكثر غرابة أن الجدل يتكرر في كل موسم تقريبًا، بينما تغيب المراجعة الحقيقية. فبدل أن يصبح التنظيم أكثر استقرارًا ووضوحًا وقابلية للتوقع، يعود النقاش كل عام إلى نقطة البداية، وكأن أحدًا لم يستفد من خبرة العقود الماضية. وفي النهاية، لا يخسر أحد من هذا التكرار بقدر ما تخسر الثقة، لأنها أول ما يتآكل عندما تغيب المعايير الواضحة.

وليس المقصود من ذلك الدعوة إلى إلغاء التنظيم، فالفوضى لا تحمي الشعائر، كما أن الأمن ليس خصمًا للحريات. لكن التنظيم الذكي هو الذي يجعل الناس يشعرون بأنه يحمي حقهم، لا أنه يعيد تعريفه. فالفرق بين القرار الذي يُحترم والقرار الذي يُجادل حوله ليس مقدار الصرامة، بل مقدار العدالة والوضوح اللذين يحملهما.

وربما تستطيع التعاميم أن تغير مسار موكب، أو تخفض صوت مكبر، أو تختصر ساعات الإحياء، لكنها لا تستطيع أن تختصر قرنًا من الذاكرة، ولا أن تعيد تعريف شعيرة كتب المجتمع تاريخها قبل أن تكتبها اللوائح. فالتاريخ لا يُدار بالتعاميم، والهوية لا تُقاس بعدد التصاريح، والثقة لا تُبنى إلا عندما يشعر الناس أن القانون جاء ليحمي ما يؤمنون به، لا ليعيد رسم حدوده.