المرشد يفند رواية "الفتح" ويعيد صياغة سردية الشرعية
2026-01-02 - 3:41 م
مرآة البحرين : صدر مؤخراً عن دار الوفاء للمطبوعات كتاب "أسطورة فتح البحرين" للباحث في التاريخ عباس المرشد، وهو يعد منجزاً ثقافياً مهماً من حيث عمق تفكيك سردية السلطة والسعي إلى بناء سردية أخرى، عبر تفنيد الرواية الرسمية، وإعادة ترتيب الأحداث والأدوار والوثائق في بناء "سردية الإبطال" التي ألغت كذبة "الفتح"، الكذبة التي طالما تغنت السلطة بمنجزها الشرعي في تثبيت سلطة آل خليفة على البحرين.
يبدأ الكتاب بمقدمة يعلن فيها المؤلف أن ما يتناوله ليس مجرد إعادة سرد لحدث تاريخي، بل محاكمة للسردية الرسمية التي صاغت واقعة 1783م بوصفها «فتحًا». يوضح منذ البداية أن التاريخ، كما وصلنا، ليس بريئًا ولا محايدًا، بل نتاج خطاب سلطة أعاد توصيف الغزو العسكري بلغة شرعية دينية وسياسية، وأقصى في المقابل تفاصيل العنف والمقاومة والضحايا من الذاكرة العامة. المقدمة تضع القارئ أمام سؤال مركزي: كيف تحوّل الغزو إلى حدث مؤسس للشرعية، وكيف جرى تطبيع العنف عبر السرد؟
في التمهيد، ينتقل الكاتب من الحدث إلى الإطار الأوسع، فيتناول مفهوم «البحراني المفقود» بوصفه نتيجة تاريخية لصراع طويل على الهوية. يربط بين الأرض باعتبارها أساس الهوية المادية، وبين الذاكرة والطقوس باعتبارها جوهر الهوية الثقافية. يرى أن نزع الأرض بعد 1783 لم يكن مجرد تغيير سياسي، بل كان بداية مسار طويل لتفكيك الهوية الأصلية للسكان، وأن الصراع القائم في البحرين لا يمكن فهمه إلا بوصفه صراع اعتراف وكرامة قبل أن يكون صراعًا سياسيًا تقليديًا.
في الفصل الأول، يركّز المؤلف على تفكيك مفهوم «الفتح» نفسه، ويبين كيف أن هذا المصطلح لم يُستخدم توصيفًا تاريخيًا بقدر ما استُخدم كأداة أيديولوجية. يناقش آليات صناعة الأسطورة السياسية، وكيف تُبنى سرديات مؤسسة تمنح الغزو معنى بطوليًا وأخلاقيًا، وتحوّل الاستيلاء على الأرض والموارد إلى حق مكتسب. هذا الفصل يوضح أن «الفتح» لم يكن توصيفًا للواقع، بل إعادة صياغة له بما يخدم تثبيت السلطة.
أما الفصل الثاني، فيتجه إلى مساءلة سرديات الأصول والأنساب، فيناقش فرضية الشتات ومسارات الجماعات التي شاركت في الغزو. يعتمد الكاتب على قراءة نقدية لوثائق محلية وعثمانية وشهادات تاريخية ليبيّن أن السردية الرسمية حول الأصول متناقضة وغير متماسكة، وأنها صيغت لاحقًا لتقديم صورة متجانسة تخدم شرعنة الحكم، لا لتقديم تاريخ دقيق للهجرات والتحالفات.
في الفصل الثالث، يتحول التركيز إلى اللغة والخطاب، حيث يحلل الكيفية التي جرى بها تحويل الاحتلال إلى «تحرير» في النصوص التاريخية، وكيف استُخدمت مفردات دينية وقومية لتجريد الحدث من طابعه العنيف. يوضح الكاتب أن الخطاب لم يكن تابعًا للذاكرة، بل كان سابقًا لها، وأنه أسهم في تشكيل الوعي الجمعي قبل أن تتكوّن رواية بديلة لدى المجتمع المتضرر.
الفصل الرابع يتناول الروايات التاريخية التي أصبحت مرجعًا رسميًا، فيحلل أعمال عدد من المؤرخين المحليين، ويظهر كيف جرى توظيف السرد لخدمة السلطة، سواء عبر التمجيد أو عبر الصمت الانتقائي. يكشف الفصل أن تغييب السكان الأصليين لم يكن نتيجة نقص في المعلومات، بل خيارًا واعيًا في الكتابة التاريخية، وأن صورة «الحاكم الأبوي» لم تكن نتاج الواقع بقدر ما كانت بناءً سرديًا يخدم الاستقرار السياسي.
في الفصل الخامس، ينتقل الكاتب إلى الوثائق البريطانية، فيستعرض التقارير والمراسلات التي تناولت الغزو. يبيّن أن هذه الوثائق، رغم انتمائها إلى سياق استعماري، لا تنسجم في كثير من تفاصيلها مع الرواية المحلية الرسمية، بل تكشف تناقضات وتفاصيل عن العنف والتدمير لا تظهر في السرديات الممجدة للحدث.
تختتم الدراسة بالتأكيد على أن المشكلة الأساسية ليست فقط في تحريف حدث تاريخي، بل في غياب الرواية المحلية للسكان الأصليين. يرى الكاتب أن الذاكرة البحرانية جرى إسكاتها وإقصاؤها، وأن هذا العمل لا يدّعي تقديم الحقيقة النهائية، بل محاولة أولى لترميم سردية مفقودة وفتح المجال لإعادة كتابة التاريخ من زاوية المهمشين.
من الناحية العلمية، يتميز الكتاب بقوة واضحة في تفكيك السرديات وتحليل اللغة السياسية. المؤلف لا يكتفي بتعداد الوقائع، بل يشتغل على مستوى المصطلح والخطاب، كاشفًا الوظائف السياسية للتاريخ المكتوب. هذا يمنح العمل عمقًا نظريًا يتجاوز كثيرًا من الدراسات التاريخية الوصفية، ويضعه في إطار تاريخ الذاكرة ونقد الشرعية.
المنهج الذي يسير عليه الكتاب يتسم بدرجة عالية من الاتساق. منذ المقدمة وحتى الخاتمة، تبقى الأسئلة المركزية واضحة، ولا تظهر قفزات منهجية أو تناقضات داخلية. كما أن توظيف فلسفة الاعتراف يتم بصورة مدروسة، إذ تُستخدم المفاهيم الفلسفية لتفسير الواقع التاريخي والاجتماعي، لا لإضفاء طابع نظري متكلف على النص.
في المقابل، يُلاحظ أن الكتاب يركّز بقوة على التفكيك أكثر من إعادة البناء. فهو ينجح في نقض الرواية الرسمية وكشف تناقضاتها، لكنه أقل تفصيلًا في تقديم سرد تاريخي بديل متكامل، مكتفيًا في الغالب بالإشارة إلى غياب الرواية المحلية أكثر من صياغتها بشكل شامل. هذا لا يُعد ضعفًا منهجيًا بقدر ما يحدّ من قدرة الكتاب على إقناع قارئ يبحث عن سرد تاريخي مكتمل الأركان، ولعل هذه النقطة تعتبر نقطة قوة من حيث فتح الشهية لبحوث مستقبلية أخرى تكمل إعادة بناء السردية بشكل أوسع، سواء للكاتب نفسه أو لغيره من الباحثين المهتمين.
كذلك، فإن الرواية الرسمية تُقرأ في الغالب من زاوية وظيفتها السياسية، لا من داخل منطقها الذاتي. أي أن المؤلف يهتم بما تخدمه هذه السردية أكثر من اهتمامه بتفكيك حججها كما يقدمها أنصارها. هذا الاختيار مفهوم ضمن المنهج النقدي، لكنه قد يترك لدى بعض القرّاء انطباعًا بغياب الحوار المتوازن بين الروايتين.
في المحصلة، يمكن القول إن الكتاب يمثل دراسة نقدية جادة في تفكيك السرديات السلطوية في تاريخ البحرين. قيمته الأساسية لا تكمن في كونه تاريخًا تقليديًا، بل في كونه عملًا يفتح سؤال الشرعية والذاكرة والاعتراف، ويضع حدث 1783 في سياقه الرمزي والسياسي الأوسع، باعتباره لحظة تأسيس لخطاب لا يزال أثره حاضرًا حتى اليوم.
- 2026-01-01ماذا تعرف عن شركة أحمد الخزاعي في أمريكا؟
- 2025-12-31مهرجان "ليالي المحرق" يحقق نجاحات متواصلة.. والحياة الكريمة تتطلب أن يكون المواطن هو الأساس في المساهمات الواجبة عليه
- 2025-12-31في استنزاف جديد للمواطن .. الحكومة البحرينية تُقر حزمة من الضرائب والرسوم وترفع الدعم عن خدمات أساسية
- 2025-12-30عامٌ مثقل بالأخطاء.. كيف سيستقبل المواطنون العام الجديد؟
- 2025-12-27أحد عشر عامًا على اعتقال الشيخ علي سلمان: حين يُسجن الوطن باسم القانون