الحرب بين سردية ضعف المحور وصدمة ردة فعله

2026-03-31 - 9:09 م

ربما كرّس الصبر الاستراتيجي للجمهورية الإسلامية الإيرانية تشوشاً في الفهم لدى بعض النخب والسياسيين مفاده؛ أن طهران لن تأخذ مدىً واسعاً في الرد فيما لو دارت حرباً كبرى عليها، ولعل الذي عزز هذا التشوش هو رد فعل إيران على تجاوزات خطيرة سبق أن أقدم عليها المحور الصهيو-أمريكي، كاغتيال قاسم سليماني والسيد نصر الله، وعدد كبير من القادة العسكريين والعلماء النوويين الإيرانيين على مدى عقود من الزمن، مما أشاع مساحة من الوهم مفادها أن سقف الردود المتوقعة من قبل إيران لن تتعدى بعض الأهداف والأًصول العسكرية للولايات المتحدة وإسرائيل.
حجم الصدمة الأمريكية والأوروبية، وتبعاً لها الصدمة الخليجية تشي بأنهم لم يأخذوا تحذيرات طهران على محمل الجد، ولم يتوقعوا أن التهديدات المتكررة من القادة العسكريين تتجاوز الحرب النفسية، والتي دار الظن بأن أغلبها تهديدات ردعية. وبما أن بعض الظن إثم، كذلك فإن بعض الظن عمى استراتيجي يوقع صاحبه في فخاخ تاريخية تغير مجرى تموضعه بشكل دراماتيكي.
ما توج تلك التوهمات هي البروبغندا الضخمة التي قادتها قناة الجزيرة وأخواتها من الرضاعة، والتي بنت سردية هائلة أوحت بأن محور المقاومة قد ضمر وضعف، ويعيش خريفه المصفّر قبل أن يذوي في قبر نهايته، وأن "أذرع إيران" قد تقطعت، فبالإضافة لغزة وما حصل لحماس، لم يعد لحزب الله من قوة بعد اغتيال قادته وضرب جزء وازن من بنيته التحتية، ودفع حكومة نواف سلام للسعي الحثيث لنزع سلاحه.
كل تلك السردية المبنية على بعض حقائق وكثير من أمنيات مختمرة في أقبية المخابرات، كونت رأي عام لدى شارع عريض بينهم نخب وأساتذة وسياسيين، بأن القوة غير موجودة لدى محور المقاومة، وأن خطاب آلة الحرب الإيرانية لا يعبر عن الحقيقة، رغم أن ناقوس الخطر قد دُق قبل حوالي شهر واحد من الحرب من قبل قائد الجمهورية آية الله السيد علي الخامنئي، والذي حذر أمريكا وحلفائها بأن أي ضربة على إيران ستتحول إلى حرب إقليمية، والحال أن ضربة الحرب الافتتاحية استهدفت أعلى الهرم وهو شخص المرشد نفسه، حيث لم يُبقِ المحور الأمريكي الصهيوني أي خط أحمر.

وعليه؛ اعتبرت الجمهورية الإسلامية وحلفائها أن الحرب وجودية بكل ما للكلمة من معنى، ما يتطلب ملاحقة الأمريكيين في كل بقعة تطالها يد العسكر، فضلًا عن أن تدمير القواعد في المنطقة هو نوع من ضرب الإمكانات التي بها يُستهدف المحور.

فإذن، الالتباس الذي وقع، لا يمكن عذره ولا تبريره، وهو -للأسف- أحد أسباب إدخال المنطقة في أتون حرب ضروس تتوسع أفقياً لسبب استراتيجي لدى طهران وهو رفع الكلفة على الأمريكيين أولًا، والإسرائيليين ثانيًا، وحلفائهم بالتبع، ورفع الكلفة هنا لا يقتصر على دفع الضريبة العسكرية والمادية لهذه الحرب الظالمة فحسب، إنما السعي في تغيير تموضع كل طرف إلى منحى يكون فيه عقيماً عن ولادة خطط مستقبلية في استهداف الجمهورية وبقية ساحات المحور، على الأقل في المدى المنظور.

وبالعودة إلى صدمة النخب الخليجية من سرعة وحجم الردّ الإيراني على دولها، يتكشف للمتابع قدرٌ من السطحية أعمق مما يُتصوَّر. فخروج مسؤولين ومثقفين خليجيين في وسائل الإعلام بأسلوب أقرب إلى البكاء على ما اعتبروه طعنة من جارٍ مسلم، مع تكرار سردية “الحياد الخليجي”، لا يعدو كونه مشهدًا يثير الحيرة، ويبلغ حدّ المفارقة المبكية.
بل إن محاولات بعضهم نفي اتخاذ الولايات المتحدة من أراضيهم منطلقًا لعمليات عسكرية واستخبارية ضد الجمهورية الإيرانية، توحي للطرف الآخر بعدم جدوى الحوار. فلا الأنظمة الخليجية قادرة على التصريح بما يخالف الإرادة الأمريكية، ولا الشعوب الخليجية تملك أدوات مساءلة حكوماتها، فضلًا عن التأثير في قراراتها، هذا إن افترضنا انتفاء رغبة بعض الأطراف في استهداف النظام الإيراني.
أما الواقع، فقد تكفّل الرئيس الأمريكي وفريقه بإزالة الالتباس، إذ توالت تصريحاتهم على امتداد أيام الحرب مؤكدةً تعاون الأنظمة الخليجية في الجهد الحربي. كما كشفت نتائج الضربات الإيرانية التي طالت قواعد ومصالح أمريكية في تلك الدول حجم الحضور الأمريكي ونفوذه في الأراضي العربية، وكانت الصور الجوية شاهدًا لا يُدحض.

يبدو أن الجسد الرسمي الخليجي قد أدمن “المُسكر” الأمريكي حتى خاله ماءً، غير أن الحكمة القديمة تظل حاضرة: من يزرع الشوك لا يحصد العنب.