عاشوراء البحرين: عن السؤال الذي لا ينام

أحمد رضي - 2026-06-20 - 3:25 ص

مرآة البحرين: لماذا نعود كل عام إلى القصة نفسها؟ وكيف لحدثٍ مضى عليه قرابة أربعة عشر قرناً أن يمتلك هذه القدرة على إيقاظ شيءٍ ما في داخلنا، هنا والآن؟

في البحرين، لا تبدو عاشوراء مجرد طقسٍ ديني نحفظ تفاصيله، بل أقرب إلى رحلة بحثٍ جماعية عن المعنى. في أزقة القرى، وتحت سقف المآتم، لا يجتمع الناس ليستمعوا إلى تاريخٍ مضى فحسب، بل ليقتربوا من الأسئلة التي ما زالت حاضرة في حياة الإنسان: أسئلة الموقف، والوفاء، وما الذي يجعل المرء متمسكاً بما يؤمن به رغم ما يحيط به من تغيرات.

بين سواد الجدران ووجوه الحاضرين التي تعرف هذا الطريق منذ سنوات طويلة، تتشكل حالة يصعب اختصارها في الكلمات. فلكل شخص حكايته الخاصة مع هذه الأيام، ولكل قلب طريقته في الإصغاء إلى المعاني التي يحملها هذا الموسم الروحي.

ومن بين أكثر المشاهد حضوراً، ذلك الحماس الذي يبديه الأطفال وهم يشاركون بطريقتهم الخاصة في تفاصيل الموسم. بعضهم يرافق والده أو والدته إلى المجلس للمرة الأولى، وبعضهم ينشغل بخدمة صغيرة يراها كبيرة في عينيه. وبين البراءة والتقليد تتشكل علاقة مبكرة مع ذاكرة المكان، قبل أن يدركوا كل ما تحمله هذه الأيام من معانٍ.

وفي إحدى زوايا المأتم يجلس شيخٌ لا يتحدث كثيراً، لكنه يعود إلى المكان نفسه كل عام. وعلى مقربة منه يقف شابٌ يوزع الماء على الحاضرين بصمت. مشهدٌ بسيط يتكرر في أماكن كثيرة، لكنه يكشف شيئاً من روح هذه المناسبة؛ ذلك الخيط الهادئ الذي يصل بين الأجيال، ويجعل تجربة عاشها السابقون قابلة لأن تُعاش من جديد بمعانٍ مختلفة.

وفي الجانب الآخر من المشهد، تستمر المآتم النسائية في أداء دورها الثقافي والاجتماعي والروحي، محتضنةً حضوراً واسعاً من مختلف الأعمار، حيث تتكرر الأسئلة والذكريات ذاتها داخل فضاء مختلف الشكل، متشابه في الجوهر.

وعلى امتداد الطرقات، تذكّر المضايف المنتشرة بأن العطاء ليس فكرة مجردة، بل ممارسة يومية يشارك فيها الناس ببساطة وعفوية.

ولعل بعض الذاكرة الشعبية يظهر في تفاصيل صغيرة لا ينتبه إليها الزائر من الخارج. فهناك رجال ما زالوا يحفظون مقاطع من ملحمة «أحرم الحجاج» للشاعر الدمستاني، كما تتردد أبيات من شعر ملا عطية الجمري على ألسنة كثيرين، لا بوصفها نصوصاً محفوظة فحسب، بل باعتبارها جزءاً من وجدان تشكل عبر سنوات طويلة من الإنصات والتلقي. ومع كل موسم تستعاد أيضاً وجوه غابت عن المجالس وبقي أثرها حاضراً فيها. وبين صوت المنبر، والقصيدة، والذاكرة التي تنتقل من جيل إلى آخر، يظل الماضي حاضراً لا بوصفه ذكرى بعيدة، بل بوصفه جزءاً من التجربة الحية للمجتمع.

ومع هذا الحضور الإنساني، تبرز قيم عاشوراء في الوعي العام بهدوء. الصبر، والثبات، والبحث عن العدالة، ليست مفاهيم تُستحضر بوصفها شعارات، بقدر ما تظهر كأسئلة يطرحها الإنسان على نفسه. وربما لهذا يبقى أثر هذه الأيام ممتداً إلى ما بعدها، في المواقف الصغيرة والخيارات اليومية التي تشكل حياة الناس أكثر مما تفعل الكلمات.

ولعل ما يمنح عاشوراء مكانتها الخاصة أنها تتيح للمجتمع لحظة تأمل نادرة وسط إيقاع الحياة المتسارع. لحظة يتراجع فيها الضجيج قليلاً، ويجد الإنسان فرصة للإنصات إلى ما يدور في داخله. ليس بحثاً عن إجابات نهائية، بل محاولة لفهم أعمق لما يعنيه أن يكون المرء وفياً لقيمه، وأن يحافظ على إنسانيته في عالم لا يتوقف عن الاختبار.

في عاشوراء، لا يبحث الناس عن الماضي وحده. إنهم يبحثون أيضاً عن شيء يخص حاضرهم. ولهذا تبقى هذه المناسبة قادرة على مخاطبة أجيال متعاقبة، لا لأنها تقدم لهم الإجابات نفسها، بل لأنها تترك أمامهم الأسئلة نفسها، ليجيب عنها كل جيل بطريقته.

في النهاية، لا تنتهي عاشوراء بانقضاء أيامها. فهي تترك خلفها سؤالاً يرافق الإنسان طويلاً: ماذا سنفعل بهذا الوعي الذي استيقظ في داخلنا؟ وكيف يمكن لما نؤمن به أن يتحول من فكرة جميلة إلى ممارسة يومية؟

ربما لهذا تعود عاشوراء كل عام وكأنها تُقرأ للمرة الأولى. ليس لأن القصة تتغير، بل لأن الإنسان نفسه يتغير، ويكتشف في كل مرة معنى لم يكن قد انتبه إليه من قبل.