التظاهر بالقوة لا يصنع "ملحمة صمود" .. دعاية البحرين تفشل أمام الوقائع

2026-06-30 - 5:21 ص

مرآة البحرين: تظنّ الدولة أن خطابها الرسمي إذا غُلّف بتعابير مثالية سيدفع كلّ من يملك عقلًا وفكرًا إلى تصديق مسرحيات البطولات والشجاعة. إعلان تشكيل لجنة ملحمة الصمود لتوثيق تصدّيها للضربات الإيرانية في العدوان الأمريكي "الإسرائيلي" الخليجي الذي شُنّ على الجمهورية الإسلامية، يدعو إلى التعجّب بحقّ. السلطة تكذب وتسير بادعاءات وأفلام مُختلَقة من وحي خيال لا حدود له.

من يراقب سيْر الأمور في البحرين منذ اندلاع الحرب في بداية مارس/آذار 2026، يُدرك أن البلد كان في موقع المتلقّي للضربات طيلة الوقت، لكنّه المبادر إلى التسبّب بها طبعًا بفعل احتضانه وتسخيره الأرض للأمريكيين على طبق من فضّة. كانت البحرين حرفيًا في صدمة من أمرها، ظنّت لعقود أنها ستكون بمنأى عن أي استهدافات، وظنّت أيضًا أن الأسطول الخامس لن تمسّه الصواريخ يومًا على قاعدة أن أميركا كما "إسرائيل" قوّتان لا تقهران وقواعدهما لا تصل إليهما صواريخ إيران ولا غيرها، غير أن الحسابات الخاطئة صدمت السلطة في البحرين.

في المواجهة الأخيرة، فُضح أمر البحرين عسكريًا، رغم ذلك أُعلن الأسبوع الماضي عن إطلاق ورشة عمل من أجل توثيق ما اعتبرته صمود!
على الجانب البحريني لم يتعدّى مشهد الحرب صورة من يتلقى الصفعات على وجهه من دون القدرة على التفكير في أي رد. الصواريخ والمسيّرات الإيرانية تفننت في تدمير ما تختاره من أهداف عسكرية، سواء في القواعد أو في المخابئ، حتى غدا الجندي الأمريكي مشردًا بين الفنادق والمباني المدنية بحسب ما نشرت تقارير أمريكية، لدرجة اضطرار قيادتهم إلى تقسيمهم إلى أفراد لا يتعدى عددهم عدد أصابع اليد الواحدة.

هنا نسأل، أين الإنجازات العسكرية؟ أين الردّ البحريني على الضربات الإيرانية؟ الأرض والميدان يؤكدان أن ما جرى هو تعرّض منازل مدنيين في البحرين للأضرار جراء إطلاقات خاطئة لصواريخ "باترويت" اعتراضية، وهذا بحدّ ذاته يدفعنا إلى التشكيك بكلّ السرديات التي لطالما صدّرها الخطاب البحريني الرسمي على مدى سنوات لجهة الاستعدادات العسكرية الدائمة، والتسليح المتواصل بأفضل عتاد، بموازاة التدريبات التي لا تنفكّ تتوقّف للقوات المسلّحة والحرس والجيش منذ عقود.

ما الذي جرى إذًا؟ الولايات المتحدة لم تستطع حماية قواعدها في البحرين، والأخيرة لم تتصدَّ بالمستوى التي عملت على تظهير نفسها فيه في السنوات الماضية. وما نُشر في صحيفة "وول ستريت جورنال" من معطيات ومعلومات عن تضرّر الأسطول الخامس بشكل غير مسبوق، دليلٌ على هشاشة القدرة الأمريكية والبحرينية على حدّ سواء مقابل الضربات الإيرانية.

بحسب "وول ستريت جورنال"، الأضرار الكبيرة التي لحقت بالقاعدة الأمريكية في البحرين وحدها تُقدَّر تكلفة إعادة إعمارها بنحو 400 مليون دولار، وذلك لأعمال البناء فقط، من دون احتساب إزالة الأنقاض أو استبدال المعدات الداخلية باهظة الثمن. أشد الأضرار سُجّلت في جزء من مقر قيادة الأسطول الخامس، المسؤول عن العمليات البحرية في عموم الشرق الأوسط.

تكلفة إنشاء المبنى بلغت نحو 200 مليون دولار، إلّا أنه أصبح خارج الخدمة بالكامل. وعلى بعد نحو 100 متر منه، دُمّر بالكامل مبنى تدريب قوات الأمن البحري. كما سُجّلت أضرارٌ جسيمة في مجمع المستودعات التابع لمجموعة "بانز"، حيث كان يقع حتى وقت قريب مقر قوة المهام 59، وهي الوحدة المبتكرة التابعة للبحرية الأمريكية والمتخصّصة في الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي، والتي أُنشئت عام 2021 لمراقبة الممرات المائية الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

هذا عسكريًا، أمّا سياسيًا فالأكيد أننا أمام فشل موازٍ، فالسلطة قرّرت أن تعوّض عجزها في هذه المواجهة عبر إطلاق حملة انتقامية تستهدف الشعب مباشرة. اعتقالات، ملاحقات، سحب جنسيات، تهديدات، فوضى عنوانها إرهاب الداخل ولاسيّما الشيعي، مقابل انتزاع ولاء بالإكراه.

دائرة الإخفاق البحريني الرسمي توسّعت لتشمل الدبلوماسية. حاولت الدولة استثمار المقعد المؤقت الذي شغلته في مجلس الأمن، غير أنها سجّلت سقوطًا مدويًا أمام الصين وروسيا وفرنسا، ولم تتمكّن من تمرير مشروع قرار واحد لمواجهة إيران، رغم الجهود التي بُذلت لتنسيق المواقف وإدخال تعديلات على نصوص القرارات.

نحن فعليًا أمام أداءٍ مُخزٍ لدولة أثبتت أنها لم تُراجِع يومًا حساباتها الخاطئة وتقديراتها المبنية على مصلحة الحاكم الأوحد. لم تكن سوى صدى لسياسات الدول الأخرى، وتتخذ قراراتها بناءً على "ريتويت" من الجوار. حديث الدولة عن صمود مُزمع اليوم لا يعدو كونه كلامًا مُملًّا ومكرّرًا. التظاهر بالقوة لا يعني امتلاكها. وادّعاء التصدّي بجدارة لصواريخ إيرانية لا يعني قول الحقيقة، فحتى يوم أمس الأحد 28 يونيو، تواصل خارجية النظام بث شكواها لمجلس الأمن الدولي حول تكرار تلقيها موجات صواريخ ومسيّرات إيرانية تهشم ما تبقى من مخازن ومباني الجيش الأمريكي في أراضيها، فهي لا تملك أكثر من تلك البكائيات أمام ما نشهده من تبدل في موازين القوى في المنطقة.

الأكيد أن لجنة توثيق صمود البحرين ستُضمِّن تقاريرها وعملها خيالاتٍ غير واقعية، غير أن الدولة بحاجة اإلى تدوينها من أجل تعويض الفشل أو ربما التغطية عليه وعلى كلّ الأفعال الشنيعة التي طبّقتها في سياق هذه الحرب بحقّ الشعب على مختلف الصُعد، السياسية والدينية والحقوقية والاجتماعية. فسطّرت ملحمةً في التنكيل بمواطنيها بدل أن تواجه الصواريخ والمسيّرات القادمة من الخارج.