العطر لا يغيب.. تأملات في رحيل السيد علي الخامنئي
عبد الله البحراني - 2026-07-06 - 8:48 م
مرآة البحرين: ليس كلُّ رحيلٍ ينتهي عند القبر، ولا كلُّ غيابٍ تطويه الأيام. ثمة أرواحٌ إذا غادرت الدنيا، بدأ حضورها الحقيقي؛ لأنها لم تسكن البيوت وحدها، بل سكنت القلوب. وحين يغيبون، لا يشعر الناس بالفقد فحسب، بل يشعرون أن شيئًا من السكينة قد انطفأ، وأن صفحةً من صفحات العمر قد أُغلقت.
يشبه الراحلون الكبار الوردَ في آخر الربيع؛ تتساقط أوراقه فيظن العابر أن الحكاية انتهت، غير أن النسيم يحمل عطره إلى أماكن لم يبلغها الغصن.
لم يكن الكتابُ عنده متاعاً للرفوف، بل رفيقاً للعمر. يفتحُ صفحاته باطمئنان العارف، وإذا أغلق كتاباً، بقيت يده لحظةً على غلافه، كأن بينه وبين الحروف حديثاً لم ينتهِ بعد. كان يؤمن أن المعرفة ليست ترفاً للعقل، بل زادٌ للقلب، وأن فكرةً صادقة قد تُبدّل وجه العالم.
وإذا ارتفعت آيات القرآن في مجلسٍ من مجالس الذكر، خفت كل ما حوله. كان يصغي إلى التلاوة كما يصغي المسافر إلى خرير ماءٍ بعد طول عطش، فتفيض على ملامحه سكينةٌ لا تصنعها الكلمات. وكان يأنس لكل صوتٍ جميل يذكر الله، أو يفيض بمحبة محمدٍ وآله.
ولم يكن حبُّ أهل البيت شعاراً، بل نوراً يسري في حياته؛ يتجلى في صبره عند الخطوب، وحلمه عند الخلاف، وفي رحمته بالناس، ووفائه لمن سبقوه.
وحين يقف عند عتبة الإمام الرضا (عليه السلام)، يبدو كأن المسافات كلها تنتهي هناك. يترك وراءه غربة الأيام، ويدخل بقلبٍ خفيف، لا يحمل إلا الدعاء. هناك تسكن الروح، كما ترتوي الأرض حين يلامسها المطر.
عرفت بيوت الشهداء خطاه، كما تعرف الأرض وقع المطر الأول. لم يأتِ بالمواساةِ، بل بالحضورِ. يجلسُ بينهم، يصغي للوجعِ بصمتٍ، ويشاركهم الذكرى؛ فالموجوعُ لا يبتغي جواباً، بل قلباً يشاطرهُ الألم. وإذا رأى طفلاً فقد أباه، رقّ له قلبه، وأدرك أن أعظم الوفاء للشهيد أن يبقى أبناؤه محاطين بالمحبة والكرامة.
ولذلك، أحبه الناس على اختلاف أعمارهم. كان الطفل يبادله الابتسامة من غير تردد، ويشعر بقربه كما يشعر العصفور بأمان الغصن، وكان الكبير يجد في مجلسه وقار العالم، وهدوء المؤمن، ورحمة الأب. فالمحبة لا تصنعها المناصب، بل تصنعها القلوب الصادقة.
أما كلماته، فكانت تشبه البذور؛ تبدو صغيرةً وهي تُلقى في الأرض، ثم تمضي السنوات، فإذا بها تنبت في العقول وعياً، وفي القلوب يقيناً، وفي النفوس عزيمةً. وكذلك مواقفه؛ لم تكن ردودَ أفعالٍ عابرة، بل معالمَ على طريقٍ طويل، يعود إليها الناس كلما اختلطت عليهم الدروب.
وربما لهذا لا يرحل العظماء حقاً. تبقى كتبهم تُقرأ، وكلماتهم تُتداول، ومواقفهم حاضرة، كما يبقى صوت المؤذن، ويبقى ضوء الفجر بعد انقضاء الليل. فالإنسان لا يعيش بعدد سنيه، بل بعدد القلوب التي أيقظها، والأمل الذي بثه في زمن اليأس.
وحين يطلع الصباح، وتتردد آيات القرآن من المآذن، يخطر في القلب أن الأرواح الطيبة لم تبتعد. إنها حاضرة في صفحة كتابٍ تُفتح طلبًا للعلم، وفي مجلسٍ يُذكر فيه الله، وفي أم شهيدٍ وجدت في زيارةٍ صادقة عزاءً لا يزول، وفي طفلٍ يحمل في ذاكرته ابتسامةً لم تنطفئ، وفي كل قلبٍ ازداد حبًا لله ورسوله وأهل بيته.
لعل الله لا يطيل أعمار أحبائه بعدد السنين، بل بما يتركونه من أثر. فإذا بقي الدعاء، وبقي العلم، وبقيت الرحمة، وبقي الأثر الطيب، فذلك يعني أن الرحيل لم يكن نهاية الحكاية، بل بداية حضورٍ تدركه الأرواح ولا تحجبه العيون.
فالورد يذبل، أما العطر الذي أودعه الله... فلا يغيب.