ماذا يريد النظام من الشيعة؟!
زينب علي - 2026-09-13 - 3:36 م
مرآة البحرين: أكثر من مئة أسبوع مرت على منع إقامة أكبر صلاة جمعة للشيعة في البحرين، ولا يبدو أن المسألة مجرد إجراء مؤقت أو قرار أمني عابر.
فبالتزامن مع هذا المنع، اعتقلت الدولة في مايو الماضي عدداً من علماء الدين الشيعة، وفرضت جملة من القوانين والإجراءات، بدءاً من إغلاق مكبرات الصوت، مروراً بمنع مواكب العزاء، وصولاً إلى فرض تصاريح أمنية وشروط وضوابط على الخطباء والرواديد والمنشدين والمبلغين، واشتراط الحصول على شهادة حسن السيرة والسلوك..
السؤال اليوم.. ماذا يريد النظام في البحرين من الشيعة؟!
هل يسعى لتنظيم الشأن الديني؟ أم يرغب في السيطرة عليه؟ وهل يهدف لحماية المجتمع أم يخطط لإعادة صياغة المجال الديني بحيث لا يبقى فيه إلا الصوت الذي يرضى عنه؟
ما يستنتجه المتابعون أن إصرار النظام واستمراره في الاتجاه الذي يسير فيه، لا يعني مجرد تنظيم لشئون المساجد والمنابر كما هو معلن، بل هي محاولة جادة بدأ فيها النظام لتحديد من يحق له أن يتحدث باسم الدين، وماذا يجوز له أن يقول، وما الحدود التي يجب ألا يتجاوزها.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.. فالسلطة التي لا تكتفي بإدارة الشأن العام، وإنما تسعى إلى تحديد شكل الخطاب الديني ومضمونه وأصحابه، فتتعامل مع الدين لا بوصفه مساحة مستقلة في المجتمع، بل باعتباره مجالاً ينبغي إخضاعه للرقابة والتوجيه.
والأخطر من ذلك أن تتحول الشروط والضوابط إلى وسيلة لانتقاء رجال دين وخطباء ومنشدين وفق معيار الولاء والقبول السياسي، بدل الإخلاص والكفاءة العلمية والقدرة على تمثيل المجتمع.
إن المطلوب، في هذه الحالة، ليس رجل دين ينطق بما يؤمن به، وإنما موظف يلتزم بما يُسمح له أن يقوله. وليس المطلوب من المنبر أن يكون صوتاً للعباد وإنما صوتاً للسلطة، وبهذا يتضح أن المسألة ليست دينية بل سياسية بامتياز.
فالسلطة التي تريد أن تضمن أن المنبر لا ينتقدها، وأن الخطيب لا يعترض عليها، وأن رجل الدين لا يستطيع أن يقول (لا)، إنما تحاول عملياً تحويل الدين من مرجعية مستقلة إلى أداة من أدوات المشهد السياسي.
وإذا أصبح معيار المقبولية هو مقدار الطاعة، فسنكون أمام عملية خطيرة: إفراغ الخطاب الديني من مضمونه، ثم إعادة إنتاجه بصورة تتلاءم مع رغبات السلطة، وهو أمر كررته تجارب الأنظمة على مدى عصور طويلة.
فالدين الذي لا يستطيع أن ينصح الحاكم، أو يعترض على قرار يراه ظالماً، أو يدافع عن حق من حقوق الناس، يصبح ديناً منزوع المضمون، ديناً يسمح له بالحديث ما دام لا يزعج أحداً، وبالوعظ ما دام لا يقترب من السلطة.
وعليه، ينبغي أن تكون الأسئلة أكثر جرأة:
هل تريد السلطة علماء دين، أم موظفين دينيين؟ هل تريد منبراً مستقلاً، أم منبراً مصادقاً عليه؟ هل تريد خطابا دينياً نابعاً من معتقدات أصحابه، أم خطاباً يمر أولاً عبر بوابة الأمن والرقابة؟
إن عالم الدين الذي يفقد استقلاله لا يخسر حريته الشخصية فقط، بل يخسر جزءاً من شرعيته الأخلاقية أمام الناس، فهؤلاء ليسوا بحاجة إلى عالم دين يرضيهم، ولا إلى عالم دين يهوى التصفيق للسلطة، بل هم بحاجة إلى من ينطق بالحق، حتى عندما تكون الكلمة مؤلمة.
يحتاجون إلى عالم دين يستطيع أن يقول للحاكم أخطأت أنت ونظامك، وأن يقول لأفراد المجتمع أخطأتم، وأن يقول للظالم توقف، ويحمل شجاعة القول للمظلوم أنت لست وحدك.
أما تحويل المنبر إلى مساحة تمنع فيها كل أنواع النقد، عدا الكلام المسموح وفق سياسة النظام، فمعناه أن السلطة لم تعد تسعى لتنظيم الخطاب الديني فحسب، وإنما إعادة تعريفه بما يخدمها. وهنا تصبح المسألة أكبر من صلاة جمعة، وأوسع من تصريح أمني، وأبعد من إصدار شهادة حسن سيرة وسلوك.
الأمر يتعلق بمستقبل علاقة الدولة بالدين، وحدود سلطة الدولة في المجتمع، وحق أي طائفة في ممارسة شعائرها والتعبير عن أفكارها الدينية، من دون أن تكون هذه الحرية مرتبطة برضا سياسي أو بموافقة أمنية.
ومن حق الشيعة وغيرهم أن يسألوا، لا بصوت خافت ولا خلف الأبواب.. لماذا تُغلق أبواب المنابر، ثم تُفتح فقط لمن يمر من بوابة السلطة؟
ومن حقهم أن يعرفوا.. هل المطلوب منهم دين يمارس شعائره بحرية، أم دين يُمارس بترخيص؟
هل المطلوب عالم دين مستقل، أم عالم دين منزوع الاستقلال؟
هل المطلوب من المنبر أن يكون شاهداً على الحق، أم شاهداً لصالح السلطة؟
هذه الأسئلة لن تختفي عبر منع صلاة الجمعة، ولن تنتهي بإصدار المزيد من التصاريح، بل كلما اتسعت دائرة المنع والرقابة، أصبحت الأسئلة أكثر إلحاحا. فالسلطة الواثقة من نفسها لا تخشى المنبر المستقل، ولا تخشى عالم الدين الذي يقول الحقيقة، ولا تخشى النقد.
أما حين يصبح المطلوب من الجميع أن يتحدثوا بصوت واحد، وأن يمدحوا القرار نفسه، وأن يلتزموا بالسقف نفسه، فالمشكلة لم تعد في الخطاب الديني وحده، المشكلة تصبح في السلطة التي تريد أن تختار للناس ماذا يسمعون، ومن يتحدث إليهم، وماذا يجب عليهم أن يعتقدوا.