شكراً إيران... التي خلّصتنا من جبل النار
عباس المرشد - 2026-09-14 - 6:59 م
مرآة البحرين: بعد أكثر من خمسة عقود، تبدو مسألة تحرر البحرين من عبء القواعد الأميركية أقرب إلى أن تكون مسألة وقت لا أكثر. والمفارقة أن هذا التحول لم تأتِ به مراجعة بحرينية لاتفاقات الوجود العسكري الأجنبي، بل فرضته الضربات الإيرانية المتواصلة التي استهدفت عددًا من المنشآت والقواعد الأميركية في الجزيرة الصغيرة، وكشفت في الوقت نفسه حجم البنية العسكرية التي أقيمت فيها بعيدًا عن النقاش العام.
قبل الحرب، لم يكن البحرانيون يعرفون من هذا الوجود العسكري الواسع سوى «قاعدة الجفير»، بوصفها مقر الأسطول الخامس الأميركي. لكن الضربات الإيرانية كشفت للرأي العام أن الجفير لم تكن سوى الجزء الأكثر ظهورًا من شبكة أوسع من المنشآت العسكرية، تضم قاعدة الشيخ عيسى الجوية، إلى جانب منشأة عسكرية أصغر مرتبطة بمطار المحرق. وهكذا لم تكشف الحرب هشاشة الحماية الأميركية فحسب، بل كشفت أيضًا حجم الحضور العسكري الأميركي الذي استضافته البحرين طوال العقود الماضية.
والآن، بعد أكثر من ستة أشهر على اندلاع الحرب، تبدو هذه القواعد شبه مهجورة، أو معطلة عن أداء الوظائف التي بررت وجودها أصلًا. فهي لم تعد قادرة على توفير حماية عسكرية للجزيرة الصغيرة، كما أن الأضرار والتهديد المستمر قلّصا قدرتها على تقديم قيمة عسكرية مؤثرة للقوات الأميركية نفسها. وهنا تنقلب المسألة رأسًا على عقب: فالقواعد التي قُدّمت طوال عقود باعتبارها ضمانة لأمن البحرين تحولت، في لحظة الحرب، إلى أهداف عسكرية استجلب وجودها الخطر إلى البحرين، ثم فقدت بعد استهدافها جانبًا كبيرًا من قدرتها على توفير الحماية التي كان يُفترض أنها موجودة من أجلها.
بعيدًا عن التكهن بمصير الخراب الذي أصاب المنشآت العسكرية الأميركية، وعن كلفة إعادة تأهيلها والمدة التي قد تستغرقها، وبعيدًا كذلك عن التصريحات الأميركية التي تشير إلى صعوبة عودة جنود المارينز إلى البحرين في المدى المنظور، يقع السؤال الأهم في مكان آخر: هل أتاحت الهجمات الإيرانية على المنشآت العسكرية الأميركية فرصة لإعادة النظر في الاستراتيجية الأمنية التي حكمت البحرين طوال أكثر من نصف قرن؟
فمن دون تلك الهجمات ربما بقيت أسطورة «جبل النار» قائمة لسنوات أخرى. وهي الأسطورة التي روّج لها النظام البحريني عقودًا في مواجهة كل حراك داخلي: أن الجزيرة محمية بشبكة من التحالفات والقواعد والقوى العسكرية التي تجعل تغيير موازين القوة فيها مستحيلًا، وأن أي محاولة لتحدي النظام ستصطدم، في نهاية المطاف، بجبل من القوة الأميركية والإقليمية لا يمكن تجاوزه. لم تكن القاعدة الأميركية، وفق هذا التصور، منشأة عسكرية أجنبية فحسب، بل كانت جزءًا من هندسة الردع الداخلي أيضًا؛ فحضورها في البحرين كان يحمل رسالة إلى الخارج، ورسالة لا تقل وضوحًا إلى الداخل.
فمنذ أن أصبحت البحرين مركزًا ثابتًا للوجود العسكري الأميركي في الخليج، دخل أمن القواعد واستمرار عملها في صلب الحسابات السياسية المتعلقة بمستقبل النظام نفسه. وبذلك لم تعد المطالب المحلية بالإصلاح الدستوري وتوسيع المشاركة السياسية تُقرأ بمعزل عن سؤال آخر ظل حاضرًا خلفها: ماذا يعني انتقال حقيقي للسلطة في بلد ذي أغلبية شيعية بالنسبة إلى مستقبل الوجود العسكري الأميركي؟ هذه المعادلة منحت النظام هامشًا واسعًا في مواجهة المعارضة؛ لأنه استطاع أن يقدم استقرار حكمه باعتباره جزءًا من استقرار الترتيبات الأمنية الأميركية في الخليج، وأن يجعل أي تحول سياسي جدي محاطًا بمخاوف تتجاوز البحرين إلى مستقبل القواعد والتحالفات الإقليمية.
ولعل هذا يفسر جانبًا من التناقض المزمن في السياسة الأميركية تجاه البحرين. فقد تحدثت واشنطن طويلًا عن الإصلاح والديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنها لم تجعل بناء دولة ديمقراطية محترمة أولوية تتقدم على مصالحها الأمنية. وحين تعارض المساران، كانت أولوية استمرار القواعد والعلاقة مع النظام أكثر ثباتًا من أولوية الإصلاح. كما لعبت المخاوف من وصول الأغلبية الشيعية إلى وزن سياسي يعكس حجمها الاجتماعي، وما ارتبط بذلك أميركيًا وخليجيًا من هواجس النفوذ الإيراني ومستقبل الأسطول الخامس، دورًا في وضع سقف لما يمكن أن تدفع إليه واشنطن من تغيير. وهكذا لم يكن «جبل النار» مجرد قوة يستند إليها النظام في تخويف الحراك المحلي؛ كان أيضًا جزءًا من بيئة دولية جعلت بقاء النظام بصورته القائمة أقل كلفة بالنسبة إلى واشنطن من المجازفة بتحول ديمقراطي لا تستطيع ضمان نتائجه.
الهجمات الإيرانية لم تُنهِ الوجود الأميركي في البحرين، ولا يمكن الجزم حتى الآن بمصيره النهائي، لكنها فعلت شيئًا لا يقل أهمية: أنهت أسطورة حصانته. فقد أثبتت الحرب أن المنشأة العسكرية التي يفترض أن تمنح الجزيرة الحماية يمكن أن تتحول هي نفسها إلى سبب لاستهدافها، وأن القوة الأجنبية التي استندت إليها الدولة في بناء عقيدتها الأمنية قد تضطر، عندما تتغير شروط الحرب، إلى إخلاء أفرادها وتعطيل منشآتها وإعادة حساب كلفة بقائها.
ومن هنا ينبغي ألا ينحصر النقاش البحريني في السؤال عما إذا كان الأميركيون سيعودون إلى الجفير أو الشيخ عيسى، ولا في عدد المباني التي تحتاج إلى إعادة بناء. السؤال الذي يستحق أن يبدأ الآن هو: أي استراتيجية أمنية تحتاج إليها البحرين إذا كانت القواعد الأميركية قد فقدت الوظيفة التي بُرر بها وجودها؟ وهل من مصلحة جزيرة صغيرة أن تبقى منصة متقدمة لصراعات القوى الكبرى، إذا كان ثمن هذه الوظيفة أن تصبح أرضها هدفًا مباشرًا كلما اندلعت حرب إقليمية؟
وفي هذا المعنى تحديدًا يمكن النظر إلى الجهد العسكري الإيراني من زاوية مختلفة عن الحساب الإيراني نفسه. فبصرف النظر عن دوافع طهران وأهدافها، كانت إحدى النتائج الفعلية لضرباتها أنها أصابت البنية المادية والسياسية التي قامت عليها الاستراتيجية الأمنية البحرينية القديمة. وهذه نتيجة لا تقتضي تبني الموقف الإيراني ولا تحويل الضربات إلى فعل تحريري، لكنها تقتضي الاعتراف بأن الحرب أزالت بالقوة جزءًا من بنية كان من المتعذر على المجتمع البحريني أن يغيرها بإرادته وحده.
لذلك فإن اللحظة التي تلي انحسار وظيفة القواعد الأميركية ينبغي ألا تكون لحظة البحث عن قاعدة بديلة أو حامٍ أجنبي جديد. الفرصة تكمن في إعادة تعريف الأمن نفسه: الانتقال من أمن يقوم على القواعد الأجنبية والاصطفاف في المحاور الإقليمية وردع المجتمع في الداخل، إلى أمن يقوم على تحييد البحرين عن حروب المنطقة، وإعادة بناء علاقاتها مع جوارها على أساس المصالح المتبادلة، وإغلاق الفجوة السياسية الداخلية التي جعلت السلطة تبحث دائمًا عن ضمان أمنها خارج المجتمع.
عندها يصبح انتهاء عصر «جبل النار» أكثر من نتيجة عسكرية للحرب، ويعيد طرح السؤال الذي جرى تأجيله أكثر من نصف قرن: هل تحتاج البحرين، لكي تكون آمنة، إلى مزيد من القواعد الأجنبية، أم إلى دولة لا تجعل أرضها قاعدة لحرب الآخرين ولا تجعل شعبها خطرًا تستدعي الخارج لحمايتها منه؟
- 2026-09-13عودة المختار في البحرين: لماذا تحتاج الدولة إلى وسيط محلي؟
- 2026-09-11من اعتقال العلماء إلى حصار الشيعة: نظام البحرين يصنع أسباب انتفاضة جديدة
- 2026-09-10بيانات وتظاهرات ترفض وصاية السلطة على المذهب.. لا ترخيص للعقيدة ولا إخضاع للشعائر
- 2026-09-10إلغاء الدستور واستبداله بـ"تقرير البندر" !
- 2026-09-09قرارات وزارة العدل الأخيرة قد تصل إلى تحديد مكافآت المآتم للخطباء