أجهزة الأمن في البحرين: من حماية المواطن إلى مصدر قلقه
زينب علي - 2026-09-19 - 9:56 ص
مرآة البحرين: لم يعد الأمن في البحرين مجرد ملف تديره الدولة، بل تحول إلى دولة أمنية داخل دولة. وهذا هو جوهر الأزمة التي تصفها شهادات المواطنين.
شهدت البحرين منذ عقود أزمات أمنية وسياسية متتالية، أدارتها الأجهزة الأمنية. واشتدت وتيرتها في النصف الثاني من عام 1994، مع انطلاق حراك شعبي طالب بإعادة الحياة البرلمانية، والإفراج عن المعتقلين، والسماح بعودة المبعدين.
وفي تلك الفترة، أُطلقت عريضة شعبية شارك في التوقيع عليها نحو 25 ألف مواطن، وطالبت بإعادة المجلس الوطني المنتخب والعمل بالدستور. السلطات حينها لم تستجب لهذه المطالب، فيما بدأت حملة اعتقالات طالت عدداً من الناشطين والشخصيات الدينية والسياسية.
ومنذ ذلك الحين، توالت الأزمات عاما بعد عام، مروراً بالمراحل السياسية والأمنية المتعاقبة، والتي أعقبت تنصّل الحكومة، من بنود ما سُمي بـ«المشروع الإصلاحي»، وصولاً إلى ثورة 14 فبراير عام 2011، وما رافقها من أحداث دامية واعتقالات طالت آلاف المواطنين.
فقد دخلت البحرين مرحلة جديدة من التصعيد السياسي والأمني، ومع تصاعد التطورات، سعت خمس جمعيات سياسية معارضة إلى انتشال البلاد من الانزلاق في أزمة أكثر خطورة، فأصدرت في شهر أكتوبر من العام نفسه وثيقة سياسية حملت عنوان «وثيقة المنامة»، وقُدمت باعتبارها طريقاً نحو الحرية، ومخرجاً سياسياً للسلطة،
تضمنت الوثيقة خمسة مطالب رئيسية، رأت القوى المعارضة الموقعة أنها تمثل مدخلا أساسياً للخروج من الأزمة وبناء نظام سياسي أكثر عدالة واستقراراً، وقد نالت استحساناً شعبياً لعدة اعتبارات:
أولاً: مطالبتها بحكومة منتخبة تعبر عن الإرادة الشعبية بدلاً من حكومة الأزمات المعينة، مع خضوع أعضاء مجلس الوزراء للمساءلة البرلمانية.
ثانياً: سعيها لاعتماد نظام انتخابي عادل يقوم على دوائر انتخابية منصفة ومبدأ "صوت لكل مواطن".
ثالثاً: حصر السلطة التشريعية في غرفة واحدة منتخبة بالكامل تملك صلاحيات تشريعية ورقابية كاملة.
رابعاً: سلطة قضائية مستقلة وموثوقة.
خامساً: الأمن للجميع، عبر مشاركة كافة مكونات المجتمع في تشكيل الأجهزة الأمنية.
وظل البند الخامس هو الهاجس الأكثر إلحاحاً، بعد أن سخّرت الدولة أجهزتها الأمنية لحماية السلطة بدلاً من حماية المواطنين، حتى وصل الأمر إلى ملاحقة المواطن على أساس انتمائه المذهبي ومحاسبته على معتقداته.
من الأمان إلى الخوف
اليوم، تعيش البحرين حالة يطغى فيها الهاجس الأمني، حتى بات المواطن يُحاسب على رأيه ومعتقده، مع استمرار اعتقال العلماء ومحاكمة المذهب الجعفري.
وعليه استطلعنا آراء بعض المواطنين حول تحول الأمن من مصدر للطمأنينة إلى مصدر للخوف والقلق.
يقول المواطن عبدالله: "منذ استشهاد السيد حسن نصر الله في الربع الأخير من عام 2024 ونحن نعيش تحت ضغط قوانين السلطة التي تنال من التشيع. لم يعد هناك جهاز أمني موثوق يحمي المواطن، بل تحولت جميعها إلى مصدر قلق للجميع".
أما السيد (أ)، وهو مسؤول مأتم حسيني، فيصف الظروف الراهنة بالقول: "لم نشهد أجواء بوليسية كهذه إلا بعد إعلان استشهاد السيد نصر الله على يد الكيان الغاصب. استدعاءات متكررة إلى المراكز الأمنية، مع إجبارنا على توقيع تعهدات بعدم وضع صور أي عالم دين أو رفع شعارات أو عقد مجالس عزاء على أي عالِم، سواء كان في البحرين أو خارجها. بتنا نعيش هاجس الاعتقال في كل لحظة".
من جانبها، تقول المواطنة (ر)، وهي موظفة تعمل بنظام المناوبات: "في بلد يُقدم على أنه بلد الأمان، لم يعد هناك أي أمن للمواطن المنتمي للطائفة الشيعية. لعامين كاملين نعيش تحت ضغط أمني مستمر، أجهزة أمنية لم تراع كبار السن فضلاً عن الصغار، والمرأة باتت مستهدفة، ولم نسلم من الاعتقال والتعذيب والتحرشات لمجرد أننا شيعة نؤمن بمعتقداتنا".
ويختصر الأستاذ (علي) المشهد بجملة واحدة: "لا أمن ولا أمان. أصبحت أجهزة الدولة الرسمية جميعها مواقع لإخضاع المواطن للاختبار والترهيب".
وهو ما أكده كثير من المواطنين، حول تحويل جميع منافذ الدولة البرية والجوية لمكاتب تحقيق.
وهنا يبرز السؤال الأوسع! إلى أي مدى تحوّل الأمن في البحرين إلى مصدر قلق للمواطن بعدما كان يفترض أن يكون مصدراً لأمانه؟
فعندما يخاف المواطن من أجهزته الأمنية أكثر مما يثق بها، وعندما يصبح المذهب والمعتقد مادة للمحاسبة والاعتقال، يمكن القول إن وظيفة الأمن قد انحرفت عن مسارها.. ولم يعد الأمن للجميع، بل أصبح أداة لإدارة الأزمة السياسية..
ويستند هذا الشعور مؤخراً إلى استمرار محاكمة كبار علماء الطائفة الشيعية وأساتذة الحوزة والمبلّغين على خلفية نشاطهم الديني، والذي يمثل جزءاً أساسياً من وظيفتهم ومعتقدهم.
واستمرار هذه المحاكمات يمثل استهدافاً متعمداً للوجود الديني للطائفة، وليس مجرد ملاحقة لأشخاص بسبب أفعال منفصلة.
هذا المسار يكشف للجميع عن توجه يتجاوز التضييق والملاحقة إلى محاولة اجتثاث الطائفة بالكامل، والقضاء تدريجياً على حضورها الديني والاجتماعي ومؤسساتها ورموزها.
هكذا تحوّل المشهد البحريني، على مدى عقود، إلى سلسلة متواصلة من الأزمات السياسية والأمنية، كبديل عن معالجة جذور الخلاف عبر الحوار والاستجابة للمطالب الشعبية وإرساء دولة المؤسسات والقانون، والتي طالما نادى بها قادة المعارضة.
- 2026-09-18حين تتحول إدارة الدين إلى سلطة: من يملك الوقف والمنبر؟
- 2026-09-17حديثٌ منفصم عن "مكتسبات حقوقية".. إنها البحرين يا سادة!
- 2026-09-16سلطة آل خليفة تُعادي القاصرين فأية عدالة تتغنّى بها؟!
- 2026-09-14شكراً إيران... التي خلّصتنا من جبل النار
- 2026-09-13عودة المختار في البحرين: لماذا تحتاج الدولة إلى وسيط محلي؟