يوم صوّت البرلمان الإيراني لحق البحرانيين في تقرير مصيرهم
عباس المرشد - 2026-10-24 - 12:00 م
مرآة البحرين: في الرابع عشر من مايو/أيار 1970، كان مجلس الشورى الوطني الإيراني يناقش إحدى القضايا التي ظلت حاضرة في السياسة الخارجية الإيرانية طوال عقود: المطالبة بالبحرين. انتهت الجلسة بتصويت 187 نائبًا لمصلحة إقرار الإجراءات التي اتخذتها الحكومة بشأن البحرين وقرار مجلس الأمن، مقابل أربعة أصوات معارضة. كانت تلك النتيجة خاتمة برلمانية لمسار انتقلت فيه القضية من نزاع حول السيادة التاريخية إلى تسوية دولية جعلت رغبات سكان البحرين أساسًا لتحديد وضع بلادهم السياسي.
لم يكن التصويت اعترافًا إيرانيًا بأن المطالبة السابقة بالبحرين افتقرت إلى الأساس التاريخي الذي ادعته طهران. فقد دخلت الحكومة الإيرانية مفاوضات التسوية وهي متمسكة بموقفها المعروف، الذي اعتبر البحرين جزءًا من الأراضي الإيرانية، ورأى في الوجود البريطاني سببًا حال دون ممارسة إيران حقوقها المزعومة فيها. وسجل تقرير الممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة هذه المواقف ضمن الخلفية التي سبقت مهمته.
كان التحول في الطريقة التي اتُّفق على حسم النزاع بها. فبعد سنوات من الاحتجاج بالمراسلات والخرائط والحقوق التاريخية، قبلت إيران إحالة القضية إلى الأمم المتحدة، ووافقت على أن يتولى ممثل شخصي للأمين العام التثبت من رغبات سكان البحرين بشأن وضعهم السياسي. وقد حددت المهمة بصيغة تركت للمبعوث اختيار الوسائل التي يراها مناسبة لمعرفة تلك الرغبات، ضمن تفاهم بين إيران وبريطانيا، من دون اشتراط إجراء استفتاء عام مباشر.
وصل المبعوث الأممي، فيتوريو وينسبير غويتشياردي، إلى البحرين في ربيع 1970، وأجرى مشاورات مع ممثلين عن المؤسسات الاجتماعية والدينية والاقتصادية والبلدية، إلى جانب شخصيات وأفراد من المجتمع. لم تكن المشاورات اقتراعًا عامًا، ولم يتلق المبعوث أصوات السكان فردًا فردًا. لكنها كانت الإجراء الذي اعتمدته الأمم المتحدة، ووافقت الأطراف المعنية على استخدام نتائجه لتسوية القضية.
سجل التقرير أن البحرينيين الذين التقاهم كانوا شبه مجمعين على الرغبة في دولة مستقلة ذات سيادة كاملة. كما أشار إلى رغبة الغالبية العظمى في أن تكون هذه الدولة عربية. وفي خلاصته، قرر المبعوث أن مشاوراته أقنعته بأن الأغلبية الساحقة من شعب البحرين تريد الاعتراف بهويتها في دولة مستقلة تمامًا وذات سيادة، حرة في تحديد علاقاتها بالدول الأخرى.
كان هذا الاستنتاج حاسمًا في مسار التسوية. فقد انتقلت القضية إلى مجلس الأمن الذي أصدر قراره رقم 278 في 11 مايو/أيار 1970، وأيد فيه تقرير الممثل الشخصي للأمين العام، ورحب بنتيجته المتعلقة برغبة الأغلبية الساحقة من شعب البحرين في الاستقلال والسيادة. وصدر القرار بالإجماع، لتصبح النتيجة التي توصل إليها المبعوث جزءًا من التسوية الدولية التي قبلتها إيران.
وصلت النتيجة إلى البرلمان الإيراني بعد ثلاثة أيام. وفي جلسة 24 أرديبهشت 1349ش، قدم عباس علي خلعتبري، القائم بأعمال وزير الخارجية، تقرير الحكومة عن الإجراءات المتخذة وقرار مجلس الأمن. حمل التقرير توقيع رئيس الوزراء أمير عباس هويدا، وانتهى بطلب موافقة المجلس على ما قامت به الحكومة.
لكن النقاش كشف أن قبول التسوية لم يكن محل إجماع داخل البرلمان. فقد وقف محسن پزشكپور، ممثل المجموعة البرلمانية البان إيرانية، معترضًا على أساسها القانوني والسياسي. كان يرى أن البحرين جزء من الوطن الإيراني، وأن الحكومة لا تملك أن تنهي المطالبة بها استنادًا إلى مشاورات لم تشمل اقتراعًا مباشرًا لجميع السكان. كما شكك في استقلال المؤسسات التي التقاها المبعوث، وعدّ ارتباط بعضها بالحكومة البحرينية والوجود البريطاني سببًا للطعن في قدرتها على التعبير الحر عن رغبات السكان.
لم تكن اعتراضاته مقتصرة على الإجراءات. فقد امتدت إلى تعريف هوية سكان البحرين أنفسهم. واستند إلى أرقام تعداد 1965، وحاول اعتبار السكان الأصليين للبحرين إيرانيين، بصرف النظر عن التصنيفات التي استخدمها التقرير الأممي. وكان هذا التصور يعكس أحد مرتكزات الخطاب البان إيراني الذي ربط الانتماء التاريخي والثقافي بالحق السياسي في السيادة.
أثارت هذه الحجة اعتراضات داخل المجلس نفسه. فقد رد النائب فضائلي على وصف البحرين بأنها المحافظة الإيرانية الرابعة عشرة، مذكرًا بأن البحرين لم تكن وحدة إدارية خاضعة لإدارة الدولة الإيرانية. تكشف هذه المداخلة أن الخلاف لم يكن محصورًا بين مؤيدي الاستقلال ومعارضيه، بل امتد إلى الأساس الذي استخدمه الخطاب القومي الإيراني في وصف علاقة البحرين بالدولة الإيرانية.
انتهت المناقشة إلى التصويت. وأعلن رئيس المجلس موافقة 187 نائبًا ومعارضة أربعة على إقرار الإجراءات الحكومية المتعلقة بقرار مجلس الأمن بشأن البحرين. وقد سجل المحضر أسماء المعارضين الأربعة: محسن پزشكپور، والدكتور فريور، والدكتور طالع، والدكتور عاملي طهراني.
كانت أهمية التصويت في أن المؤسسة التشريعية الإيرانية منحت الحكومة موافقتها على نتيجة التسوية، بعدما ظل الخطاب الرسمي الإيراني لسنوات طويلة يتعامل مع البحرين باعتبارها قضية سيادة إقليمية. لم يُلغِ التصويت التاريخ الذي استندت إليه المطالبة الإيرانية، لكنه أنهى توظيف تلك المطالبة أساسًا لاستمرار النزاع حول الوضع الدولي للبحرين.
هنا تظهر المفارقة التي تمنح وثائق 1970 أهميتها بالنسبة إلى التاريخ السياسي البحريني. فقد قبلت إيران، وهي الدولة التي طالبت بالبحرين، بنتيجة إجراء دولي جعل إرادة السكان أساسًا لحسم وضع البلاد. ولم تتحول الأصوات الإيرانية التي عادت بعد ثورة 1979 إلى إثارة المطالبة بالبحرين إلى إلغاء رسمي للتسوية أو سحب الاعتراف الإيراني بالدولة البحرينية.
غير أن المسألة التي حسمتها الأمم المتحدة كانت محددة: هل يرغب سكان البحرين في دولة مستقلة ذات سيادة، أم في وضع سياسي آخر؟ لم يكن المبعوث مكلفًا بوضع دستور للبلاد، أو تحديد نظامها السياسي، أو تقرير طبيعة العلاقة بين الأسرة الحاكمة والمجتمع. ولهذا ينبغي التمييز بين حق تقرير المصير الذي عالجته مهمة الأمم المتحدة وبين السؤال الدستوري الذي واجه البحرين بعد الاستقلال.
جاء هذا السؤال إلى الواجهة مع تأسيس المجلس التأسيسي وإصدار دستور 1973، ثم انتخاب المجلس الوطني. فقد انتقل البحث عن السيادة من تحديد علاقة البحرين بالخارج إلى تنظيم ممارسة السلطة داخل الدولة الجديدة. وكانت المشاركة النيابية إحدى الأدوات التي نشأت في هذه المرحلة لتحديد العلاقة بين الحكومة والمجتمع.
نص دستور 1973 على صلاحيات للمجلس الوطني، كما وضع قيودًا على حله. فقد أوجبت المادة 65 إجراء انتخابات جديدة خلال مدة لا تتجاوز شهرين من تاريخ الحل، وقررت عودة المجلس المنحل إلى ممارسة سلطاته الدستورية إذا لم تُجر الانتخابات خلال المدة المحددة.
لكن التجربة لم تستمر طويلًا. فقد نشب خلاف بين الحكومة والمجلس حول تدابير أمن الدولة، ثم صدر قانون التدابير الأمنية بمرسوم سنة 1974، قبل أن يُحل المجلس الوطني سنة 1975. وبذلك تعطلت التجربة النيابية التي أعقبت الاستقلال، وتراجعت إمكانية ممارسة الرقابة والتشريع عبر المؤسسة المنتخبة.
تكشف المقارنة بين عامي 1970 و1975 مسارين مختلفين في تاريخ الدولة البحرينية. الأول انتهى إلى تثبيت استقلال البحرين في النظام الدولي على أساس الرغبات التي سجلتها الأمم المتحدة لسكانها. أما الثاني فشهد تعثر الترتيبات الدستورية التي كان يفترض أن تنظم مشاركة المجتمع في ممارسة السلطة داخل الدولة المستقلة.
لم يكن حل المجلس الوطني سنة 1975 نقضًا قانونيًا لقرار مجلس الأمن الصادر سنة 1970، لأن القرار لم يتناول نظام الحكم الداخلي. لكنه يكشف حدود الانتقال من الاعتراف الدولي بسيادة الدولة إلى بناء مؤسسات تمثيلية مستقرة داخلها. فقد أمكن حسم النزاع الخارجي بشأن البحرين، بينما بقيت العلاقة بين السلطة والمجتمع موضع صراع سياسي ودستوري.
تكمن المفارقة التاريخية في أن الدولة الإيرانية التي طالبت بالبحرين قبلت، في نهاية المطاف، بأن تتوقف مطالبت ها عند نتيجة المشاورات المتعلقة بإرادة البحرانيين. أما داخل البحرين، فلم تمض خمس سنوات على تلك التسوية حتى تعطلت المؤسسة المنتخبة التي نشأت في مرحلة بناء الدولة المستقلة.
السؤال الذي تتركه وثائق 1970 مفتوحًا ليس عن حق البحرين في الاستقلال، فقد حُسم دوليًا، وإنما عن المسافة التي نشأت لاحقًا بين الاعتراف بإرادة الشعب في تحديد الوضع السيادي لدولته وبين تمكينه من المشاركة في تحديد كيفية حكمها.
- 2026-10-23خدعة العفو الملكي.. الحرية ما زالت محتجزة!
- 2026-10-22البحرين تتودّد الى إيران: صحوة ضمير أم تموضع جديد؟
- 2026-10-21البحرين تبيع ولاءها الخليجي: من العباءة السعودية إلى الحضن الإماراتي
- 2026-10-20حين وظّف آل خليفة شيعة البحرين لطلب حماية إيران: وثائق من الأرشيف
- 2026-10-19الإرهاب بين التعريف الدولي وشماعة النظام البحريني