إبادة برعاية عربية و إسلامية
2026-10-28 - 11:19 م
مرآة البحرين: غزة تذبح، والقدس تُستباح، والضفة تُقتلع، وجنوب لبنان وسوريا تحت النار... فأين ذهبت الأمة؟
ليست المأساة الكبرى أن تُحاصر غزة، وأن يُقتل أطفالها، وأن تُهدم بيوتها فوق رؤوس ساكنيها، وأن يُدفع أهلها إلى الجوع والنزوح والعيش بين الركام؛ فهذه جرائم تتحمل مسؤوليتها المباشرة الجهات التي ترتكبها وتنفذها. المأساة الأشد قسوة أن يحدث كل ذلك في قلب عالم عربي وإسلامي يملك من المال والثروات والنفوذ والعلاقات الدولية ما يكفي لصناعة مواقف مختلفة، ثم يكتفي في كثير من الأحيان ببيانات الشجب، ومناشدات المجتمع الدولي، ووعود الإغاثة التي لا ترقى إلى حجم الكارثة.
إنها ليست أزمة غزة وحدها، بل أزمة أمة تتآكل قدرتها على الفعل، وأزمة أنظمة جعلت بقاءها في السلطة أولوية تتقدم على كرامة شعوبها، وأزمة نخب سياسية وإعلامية باعت ضميرها لمعادلات المصالح والتمويل، حتى بات السؤال موجعاً أكثر من أي وقت مضى: كيف أصبحت نصرة فلسطين قضية قابلة للتأجيل والمساومة، بينما تتحول قضايا أخرى إلى معارك مصيرية تستنفر لها الحكومات والأحزاب والمنابر الإعلامية؟
إن عنوان «إبادة برعاية عربية إسلامية» ليس اتهاماً بأن جميع الحكومات العربية والإسلامية تشارك مباشرة في ارتكاب جرائم الإبادة، بل هو توصيف سياسي وأخلاقي لواقع تتجاور فيه الجرائم مع العجز والتواطؤ بالصمت، وتتقدم فيه حسابات السلطة والتحالفات والمصالح على واجب حماية المدنيين ووقف الكارثة. فحين تتكرر المأساة، وتُعرف وسائل الضغط الممكنة، ثم لا يُستخدم منها ما يتناسب مع حجم الدم المسفوك، يصبح الصمت الرسمي نفسه موضوعاً للمساءلة التاريخية.
غزة: حين يصبح الدم خبراً يومياً
في غزة، لم تعد المأساة مجرد أرقام تتناقلها نشرات الأخبار، بل تحولت إلى اختبار يومي لإنسانية العالم ومصداقذية النظام الدولي، ولجدية الشعارات التي طالما رُفعت باسم الدين والعروبة والأخوة والتضامن.
المنازل المدمرة، والمستشفيات المهددة، والعائلات التي تبحث عن مأوى، والأطفال الذين يكبرون على الخوف والفقدان، ليست تفاصيل هامشية في صراع سياسي؛ إنها حياة بشرية تُسحق تحت وطأة الحرب والحصار والحرمان.
وحتى مع اتفاقات وقف إطلاق النار، لم تختفِ المخاطر الإنسانية. فقد أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، في تقريره الصادر في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2026، باستمرار الغارات والقصف وإطلاق النار في قطاع غزة، وبقاء الاحتياجات الإنسانية واسعة، مع تراجع المساعدات الغذائية ومخاوف من تفاقم نقص الإمدادات الأساسية. كما وثّق التقرير استمرار الإصابات والاعتداءات وعمليات الهدم والتهجير في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
هذه الوقائع تجعل السؤال أكثر إلحاحاً: ماذا فعلت الدول التي تمتلك أوراق ضغط سياسية واقتصادية ودبلوماسية مؤثرة؟ وأين ذهبت الوعود التي ملأت القمم والخطب؟ ولماذا لا يتحول ثقل الدول العربية والإسلامية إلى موقف جماعي يفرض كلفة سياسية واقتصادية حقيقية على استمرار الانتهاكات، ويضمن دخول المساعدات، ويحمي المدنيين، ويمنع التهجير القسري؟
لا يكفي أن تعلن الحكومات رفضها للقتل، ثم تستمر في علاقاتها الطبيعية، وكأن ما يجري لا يتجاوز خلافاً دبلوماسياً عابراً. ولا يكفي أن تُرفع صور الضحايا في المؤتمرات، ثم تُطوى الملفات عند أول اختبار للمصالح.
إن الموقف الأخلاقي لا يُقاس بما تقوله البيانات، بل بما تمنعه السياسات. ولا تُقاس نصرة المظلوم بعدد الخطب، بل بقدرة أصحاب القرار على تحويل الكلام إلى إجراءات ملموسة.
من غزة إلى القدس والضفة: استهداف الأرض والإنسان والهوية
لا تنتهي المأساة عند حدود قطاع غزة. فالقدس تواجه اعتداءات وانتهاكات تمس سكانها ومقدساتها وحقوق أهلها، بينما تعيش الضفة الغربية تحت وطأة الاقتحامات والاعتقالات وعنف المستوطنين وعمليات الهدم والتهجير والاستيلاء على الأراضي.
وفي القدس، لا يمكن فصل الاعتداء على المقدسات عن المعركة الأوسع على هوية المدينة ومستقبلها وحقوق سكانها. وفي الضفة، لا يمكن التعامل مع الاعتداءات المتكررة بوصفها حوادث منفصلة لا رابط بينها، حين تتراكم آثارها على حياة الفلسطينيين وأمنهم ووجودهم فوق أرضهم.
أما جنوب لبنان، فما زال يدفع أثمان المواجهات والانتهاكات والتصعيد العسكري، بما يهدد المدنيين وممتلكاتهم وفرص عودة النازحين إلى مناطقهم. وفي جنوب سوريا، تثير العمليات العسكرية الإسرائيلية والانتهاكات المرتبطة بها مخاوف جدية على السيادة السورية وأمن السكان واستقرار المنطقة.
إن تعدد هذه الجبهات يكشف أن القضية لم تعد محصورة في إدارة أزمة إنسانية في مكان واحد؛ بل باتت مرتبطة بأمن المنطقة ومستقبلها، وبقدرة شعوبها على العيش بعيداً عن التهديد المستمر والاحتلال والتهجير.
ومع ذلك، لا تزال الاستجابة العربية والإسلامية، في مجملها، دون مستوى هذا التحدي. تتعدد الاجتماعات، وتتكرر التصريحات، وتصدر الإدانات، لكن السؤال الجوهري يبقى بلا إجابة كافية: أين استراتيجية الفعل الجماعي التي تمنع اتساع دائرة الانتهاكات، وتحمي المدنيين، وتدافع عن الحقوق، وتضع حداً لتحويل المنطقة إلى ساحات مفتوحة للقوة العسكرية؟
اليمن: عندما تحولت الحرب إلى قضية مصيرية
هنا تبرز المفارقة الأكثر إحراجاً للنخب السياسية والإعلامية العربية: كيف أمكن لبعض الأطراف أن تتعامل مع الحرب في اليمن باعتبارها معركة مصيرية تستوجب التعبئة والتحالف والاصطفاف السياسي والإعلامي خلف السعودية، بينما تتراجع هذه الحماسة نفسها، أو تخفت إلى حد بعيد، عندما يتعلق الأمر بغزة؟
خلال سنوات الحرب اليمنية، شهدت المنطقة خطاباً واسعاً قدّم الاصطفاف مع التحالف الذي تقوده السعودية باعتباره واجباً سياسياً وأمنياً، واستُخدمت في تبرير الحرب عناوين السيادة والأمن القومي ومواجهة النفوذ الإقليمي. وفي المقابل، دفعت قطاعات واسعة من الشعب اليمني أثماناً بشرية واقتصادية باهظة، في بلد عانى من الحرب والدمار والنزوح وانهيار الخدمات الأساسية.
ليس المقصود هنا تبرئة أي طرف يمني من الانتهاكات أو تحويل المأساة اليمنية إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية. فدماء اليمنيين ليست أقل قيمة من دماء الفلسطينيين، وأمن السعودية لا يلغي حقوق اليمنيين، كما أن نقد الحرب وسياساتها لا يستلزم إنكار المخاوف الأمنية التي استُخدمت لتبريرها.
لكن جوهر المقارنة يكمن في معيار العدالة نفسه: لماذا تتسع مساحة التعبئة السياسية والإعلامية عندما تكون المصالح والتحالفات الإقليمية على المحك، بينما تضيق عندما تكون الأولوية لوقف قتل الفلسطينيين وحماية أرضهم وحقوقهم؟
لماذا استطاعت بعض المنابر أن تحشد جمهورها خلف خيارات عسكرية وسياسية باهظة الكلفة في اليمن، ثم عجزت عن ممارسة ضغط إعلامي وسياسي مماثل من أجل حماية غزة ووقف معاناتها؟
ولماذا تحولت نصرة حليف إقليمي لدى بعض النخب إلى امتحان للولاء الوطني والقومي، بينما أصبحت نصرة فلسطين، في بعض الخطابات، مادة للمزايدة أو التخوين أو التهرب من المسؤولية؟
إن هذا التناقض لا يثبت أن كل من ساند السعودية في حرب اليمن كان مدفوعاً بالمال، ولا أن جميع المواقف السياسية متشابهة في دوافعها. لكنه يفتح الباب أمام مساءلة مشروعة عن المصالح التي تحرك بعض الخطابات، وعن أثر التمويل السياسي والإعلامي في صناعة المواقف وتحديد ما يُقال وما يُحجب، وما يُضخّم وما يُهمّش.
فإذا كانت قضية ما تستحق كل هذه التعبئة، فلماذا لا تستحق فلسطين تعبئة مماثلة، بل أكبر، بالنظر إلى الاحتلال والتهجير والقتل الذي يتعرض له شعبها؟
البترودولار وشراء الصمت السياسي
تملك الدول العربية النفطية ثروات هائلة، وتتمتع بعض حكوماتها بعلاقات اقتصادية واستثمارية واسعة، وبقدرة على التأثير في الأسواق والقرارات والعلاقات الدولية. وكان يمكن لهذه الموارد أن تشكل رافعة حقيقية لحماية المدنيين، ودعم صمود الفلسطينيين، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وممارسة ضغط منسق لوقف الانتهاكات.
لكن الثروة، حين تنفصل عن المسؤولية، تتحول من فرصة لخدمة الشعوب إلى أداة لتثبيت النفوذ وشراء الاستقرار السياسي وصناعة شبكات المصالح.
وهنا ينبغي طرح الأسئلة الصعبة: ما حجم الأموال التي تُنفق على تحسين الصورة السياسية لبعض الحكومات؟ وما طبيعة العلاقة بين التمويل السياسي والإعلامي وبين الخطاب الذي تتبناه بعض المؤسسات والشخصيات؟ وكيف يمكن للرأي العام أن يميز بين الموقف المستقل والخطاب الذي تصنعه المصالح؟
إن شراء الولاءات لا يحتاج دائماً إلى صفقة معلنة أو تحويل مالي موثق؛ فقد يعمل عبر المصالح الاقتصادية، والعقود، والامتيازات، والوصول إلى المنابر، والعلاقات التي تجعل بعض الأصوات أكثر حرصاً على إرضاء الممول من مساءلة سياساته. غير أن اتهام شخص أو مؤسسة بعينها بالارتزاق يظل بحاجة إلى أدلة محددة، لا إلى مجرد الاختلاف في الرأي أو الموقف.
المشكلة الحقيقية ليست في وجود علاقات بين الدول، فهذه طبيعة السياسة الدولية، بل في تحوّل المصالح إلى قيد يمنع النقد، ويجعل بعض النخب تتبنى معايير متناقضة بحسب هوية الحليف والخصم.
عندها يصبح السؤال عن استقلال القرار العربي سؤالاً عن استقلال الضمير أيضاً: هل تصدر المواقف من تقدير حر للمصلحة العامة، أم من حسابات النفوذ والتمويل؟ وهل تستطيع النخب أن تقول لحلفائها إنهم أخطأوا، أم أن التحالف يتحول إلى حصانة من النقد والمساءلة؟
إن الثروة لا تمنح أحداً حق شراء الضمائر، والتحالف لا يمنح أحداً حق احتكار الحقيقة، والمال لا يستطيع أن يحوّل الصمت عن معاناة شعب إلى موقف أخلاقي مقبول.
أنظمة تخشى شعوبها أكثر مما تخشى ضياع الحقوق
تكشف مأساة غزة جانباً عميقاً من أزمة الحكم في المنطقة العربية: فبعض الأنظمة التي تتحدث باسم الأمة لا تتيح لشعوبها مساحة كافية للتأثير في القرارات المصيرية، ولا تسمح للرأي العام بأن يتحول إلى قوة سياسية مستقلة قادرة على الضغط من أجل تغيير السياسات.
تُرفع شعارات الكرامة والسيادة، لكن المواطن قد يجد نفسه عاجزاً عن التعبير بحرية عن موقفه من قضايا بلاده والمنطقة. وتُستدعى الوحدة الوطنية حين تحتاج السلطة إلى حشد التأييد، بينما تُضيّق مساحة المشاركة حين يطالب الناس بمحاسبة المسؤولين أو مراجعة التحالفات.
وهكذا تتسع الفجوة بين الشعوب التي ترى في فلسطين قضية عدالة وكرامة، وبين سياسات رسمية تحكمها اعتبارات الأمن والتحالفات والمصالح الاقتصادية.
إن النظام الذي يخشى صوت شعبه لا يستطيع الادعاء بأنه يتحدث باسم ذلك الشعب من دون مساءلة. والحكومة التي تتعامل مع التضامن الشعبي بوصفه تهديداً محتملاً للاستقرار تكشف عن أزمة ثقة أعمق من أي خلاف سياسي عابر.
ليس المطلوب أن تتخذ الدول قرارات متهورة أو أن تدخل حروباً لا تستطيع تحمل نتائجها، بل أن تمتلك إرادة سياسية مستقلة، وأن تستخدم ما لديها من أدوات مشروعة وفعالة، وأن تشرح لشعوبها بوضوح حدود خياراتها وأسبابها وتكاليفها.
أما تحويل الواقعية السياسية إلى ذريعة دائمة للعجز، فليس حكمة، بل استقالة من المسؤولية. وتحويل الاستقرار إلى مبرر لإسكات المجتمع ليس قوة، بل خوف من المساءلة.
أين العلماء والأحزاب والقوميون والإسلاميون؟
لا تقتصر المسؤولية على الحكومات. فهناك مسؤولية أخلاقية وسياسية تقع على عاتق الأحزاب والتيارات الفكرية والدينية، والنقابات والاتحادات، والمؤسسات الإعلامية، والشخصيات العامة التي بنت حضورها على شعارات الدفاع عن الأمة وحقوق الشعوب.
أين الخطاب الذي يضع حماية المدنيين فوق حسابات المحاور؟ وأين الأحزاب التي اعتادت حشد الجماهير حين يتعلق الأمر بخصومها، ثم تكتفي بعبارات عامة حين يصبح الحليف موضع مساءلة؟ وأين الأصوات التي جعلت من فلسطين عنواناً لشرعيتها الفكرية، لكنها تتجنب المواجهة السياسية عندما تتعارض القضية مع علاقاتها ومصالحها؟
إن الأزمة لا تتمثل في اختلاف التقديرات السياسية؛ فالاختلاف حق مشروع، ولا يمكن مطالبة جميع القوى بتبني وصفة واحدة. الأزمة تكمن في ازدواجية المعايير، حين تصبح الانتهاكات مدانة إذا ارتكبها الخصم، ومبررة أو مسكوتاً عنها إذا ارتكبها الحليف.
وهي أزمة أشد وضوحاً لدى من يرفعون شعارات دينية أو قومية كبرى، ثم يتعاملون مع دماء المدنيين باعتبارها تفصيلاً يمكن تجاوزه حفاظاً على التحالفات.
فالدين لا يمنح سلطة سياسية صكاً أخلاقياً مفتوحاً، والقومية ليست لافتة لتبرير كل قرار، والشعارات الثورية لا تعفي أصحابها من المحاسبة. المعيار الحقيقي هو الموقف من الإنسان وحقه في الحياة والحرية والكرامة، أياً كانت هويته أو الجهة التي تسيطر على أرضه.
من المسؤولية السياسية إلى المسؤولية التاريخية
إن وصف الواقع بأنه «إبادة برعاية عربية إسلامية» يجب ألا يتحول إلى حكم عشوائي يساوي بين جميع الدول والشعوب، أو يتجاهل الفوارق بين من يرتكب الانتهاكات، ومن يساندها، ومن يعجز عن منعها، ومن يحاول الحد منها. فالمسؤوليات ليست واحدة، ولا يجوز أن تتحول الإدانة السياسية إلى بديل عن التحقيق في الوقائع وتحديد المسؤوليات القانونية.
لكن هذا التمييز لا ينبغي أن يصبح مهرباً من المساءلة. فالدول التي تمتلك أدوات ضغط مؤثرة مطالبة بتفسير كيفية استخدامها، والدول التي تقيم علاقات مع أطراف النزاع مطالبة بمراجعة أثر تلك العلاقات، والحكومات التي تتحدث عن حماية القانون الدولي مطالبة بتطبيق المعيار نفسه على الحليف والخصم.
كما أن المسؤولية لا تقتصر على إصدار قرارات أو بيانات؛ إنها تشمل منع المساهمة في الانتهاكات، ودعم آليات المحاسبة، وضمان وصول المساعدات، ورفض التهجير القسري، وحماية الصحفيين والعاملين في المجال الإنساني، وتوفير دعم مستدام لإعادة الإعمار، وممارسة ضغط دبلوماسي واقتصادي منسق حيثما كان ذلك ممكناً ومجدياً.
ولا ينبغي أن تبقى هذه المطالب شعارات فضفاضة. فمن حق الشعوب أن تعرف ما الذي اتخذته حكوماتها من خطوات، وما الذي امتنعت عن اتخاذه، ولماذا. ومن حقها أن تسأل عن أثر علاقات التطبيع والتعاون الاقتصادي والعسكري، وعن مدى اتساقها مع التعهدات المعلنة بحماية الحقوق الفلسطينية.
المحاسبة هنا ليست دعوة إلى الانتقام، بل شرط لمنع تكرار المأساة.
لا خلاص للأمة بشراء الولاءات
إن أخطر ما تكشفه مأساة غزة ليس فقط حجم العنف الذي يتعرض له الفلسطينيون، بل هشاشة النظام السياسي العربي حين يصبح المال بديلاً عن المشروع، والتحالف بديلاً عن المبدأ، والدعاية بديلاً عن الإنجاز، والخوف على السلطة بديلاً عن المسؤولية تجاه الشعوب.
لا يمكن بناء قوة عربية حقيقية عبر شراء الولاءات وتوزيع الامتيازات، ولا يمكن صناعة تضامن إسلامي مستدام عبر مطالبة الجميع بالصمت عن أخطاء الحلفاء. فالدول التي تستثمر في النفوذ من دون بناء الثقة تكتشف عاجلاً أو آجلاً أن الولاءات التي اشترتها قابلة للتبدل، وأن الأصوات التي دفعت ثمنها لن تدافع عنها عندما تتغير المصالح.
كما لا يمكن مطالبة الشعوب بالاصطفاف خلف سياسات لا تستطيع مساءلتها، أو إقناعها بأن قضايا الأمة أولوية بينما ترى أن الأولوية الفعلية تُمنح لتحالفات السلطة ومصالحها.
إن المطلوب ليس شعارات إضافية، بل مراجعة جذرية لمعايير السياسة العربية والإسلامية: أن تكون حماية المدنيين أولوية لا تتغير بتغير التحالفات، وأن تخضع العلاقات الدولية للمساءلة الأخلاقية والقانونية، وأن يُعامل الفلسطيني واليمني واللبناني والسوري بوصفهم أصحاب حقوق وكرامة، لا أوراقاً في صراعات النفوذ.
والمطلوب أيضاً أن تستعيد النخب استقلالها، وأن ترفض تحويل الإعلام إلى أداة لتلميع الحكومات، وأن تدافع عن حق المجتمعات في النقاش والمحاسبة، وأن تتعامل مع المال السياسي باعتباره قضية تستوجب الشفافية والتحقيق، لا مجرد شائعة تُستخدم لتصفية الخصومات.
الخاتمة: سيبقى السؤال مفتوحاً
ستبقى غزة شاهداً على ما فعلته القوة العسكرية بمدنيين عزل، وعلى حدود النظام الدولي حين يعجز عن وقف المأساة، لكنها ستبقى أيضاً شاهداً على مواقف الحكومات والنخب العربية والإسلامية، وعلى المسافة بين ما تعلنه من مبادئ وما تمارسه من سياسات.
وستبقى القدس والضفة الغربية وجنوب لبنان وجنوب سوريا تذكيراً بأن تجاهل الانتهاكات لا يحقق سلاماً، وأن ترك الأزمات تتفاقم لا يحمي المنطقة، بل يفتح الباب أمام مزيد من العنف والتهجير وعدم الاستقرار.
أما اليمن، فسيظل بدوره امتحاناً لضمير كل من دافع عن خيارات الحرب أو برر كلفتها، تماماً كما تمثل غزة امتحاناً لمن يزعمون أن فلسطين قضيتهم المركزية.
ليس المطلوب استبدال محور بمحور، ولا تبرئة طرف وإدانة آخر وفق الهوية السياسية، بل إنهاء زمن الكيل بمكيالين، ورفض تحويل الشعوب إلى ضحايا لمصالح الحكومات، ورفض أن يصبح المال قادراً على تحديد من يستحق التضامن ومن يُترك لمصيره.
إن الأمة التي تستطيع حشد الأموال والإعلام والطاقات دفاعاً عن تحالف سياسي، ثم تعجز عن توحيد ضغطها لحماية شعب يتعرض للقتل والتهجير، مطالبة بأن تواجه سؤالاً لا يمكن دفنه تحت ركام البيانات الرسمية:
إذا لم تكن حماية غزة، والدفاع عن القدس، ورفض تهجير الفلسطينيين، وحماية المدنيين في لبنان وسوريا، ومراجعة مآسي اليمن، اختبارات حقيقية لسياساتنا وشعاراتنا؛ فما الذي بقي من معنى العروبة والإسلام والتضامن والكرامة؟
إن التاريخ لا يسجل الخطب وحدها، بل يسجل أيضاً ما كان ممكناً فعله ولم يُفعل. وحين تنتهي الحروب، لن يكون السؤال فقط عمّن أطلق النار، بل أيضاً عمّن امتلك القدرة على الضغط لوقفها، وكيف استخدم تلك القدرة، ولماذا فضّل بعضهم حماية التحالفات على حماية الإنسان.
هناك، عند هذه الأسئلة تحديداً، تبدأ المحاسبة الحقيقية. وهناك أيضاً يتحدد ما إذا كانت شعارات الأمة مبادئ حية، أم مجرد كلمات تُستدعى حين تخدم السلطة، وتُنسى حين يصبح الوفاء لها مكلفاً.