قصة قصيرة: المفتاح

حسن ناصر - 2026-10-30 - 1:57 م

مرآة البحرين: كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، وكان البيت في البلاد القديم لا يزال يحتفظ بشيء من ضجيج الاحتفال. على الطاولة كعكة صغيرة تتوسطها سبع شمعات، وفي طرف الغرفة تناثرت هدايا نبأ، التي احتفلت بعيد ميلادها السابع قبل قليل. جلس علي إلى جوارها، يشاركها فرحتها، ويبتسم كلما طلبت منه أن ينظر إلى هديتها أو يلتقط لها صورة.

في الغرفة المجاورة، كانت سارة نائمة في سريرها الصغير. لم تكن قد أتمت أربعين يومًا.

من النافذة، بدت أضواء قليلة تتوزع بين بيوت القرية، فيما امتد الهواء في الأزقة الضيقة، يحمل سكون الليل إلى الأبواب المتقاربة. ومن المسجد القريب جاءت حركة خافتة، أعقبها صوت إغلاق الباب، بينما ظل المأتم المجاور غارقًا في السكون.

نهض علي، واتجه إلى غرفة ابنتيه ليتأكد أنهما بخير.

وجد نبأ قد غلبها النعاس، وقد سقط غطاؤها إلى الأرض. التقطه وأعاده فوق كتفها، ثم وقف لحظة يتأملها. كان حذاؤها الصغير ملقى عند طرف السرير، كما تتركه كل ليلة، رغم أنه كان يطلب منها أن تضعه في مكانه.

خرج علي وترك باب الغرفة مواربًا، كما اعتاد أن يفعل.

لم يكن قد ابتعد كثيرًا حين سمع الطرق على الباب.

ثلاث طرقات متباعدة جعلته يتوقف في منتصف الممر، ثم تكرر الطرق، هذه المرة بصورة أكثر إلحاحًا.

أخرج حلقة المفاتيح من جيبه، وقلبها بين أصابعه دون أن يدري لماذا فعل ذلك. كان يستطيع فتح الباب دونها، لكنه ظل ممسكًا بها، كأن المعدن الصغير يمنحه لحظة إضافية قبل أن يعرف ما ينتظره.

نظر إلى غرفة ابنتيه. تسلل الضوء الضعيف من الباب الموارب، وكانت نبأ نائمة في مكانها، وسارة في الغرفة الأخرى لا تعرف من العالم سوى دفء سريرها.

سار نحو الباب وفتحه.

كان في الخارج رجال بملابس رسمية. أخبروه أنه مطلوب معهم. سألهم عن السبب، فجاءه جواب مقتضب لم يبدد غموض الموقف، ثم طلبوا منه مرافقتهم.

لم يكن المشهد صاخبًا، ولم يكن فيه ما يشبه الصور التي يرسمها الناس للأحداث الكبيرة؛ مجرد وجوه جامدة، وأوراق، وكلمات قليلة قيلت بصوت منخفض.

التفت علي إلى داخل البيت. رأى الممر الذي يعرفه، وباب غرفة نبأ الموارب، والضوء المتسلل منه. فكر في أن يذهب إلى ابنتيه، ولو للحظة واحدة، أن يطمئن عليهما أو يلمس رأسيهما قبل أن يغادر.

لكنه لم يُمنح تلك اللحظة.

أعاد المفاتيح إلى جيبه، ومضى معهم. بقي الباب خلفه مغلقًا، وبقيت على الطاولة كعكة صغيرة لم تعد لها مناسبة، وهدايا لم تعرف صاحبتها أن ليلتها ستصبح آخر ما تتذكره من طفولتها مع أبيها.

في الصباح، استيقظت نبأ وبحثت عنه في البيت.

مرّت على الغرف، ثم ذهبت إلى أمها تسألها عن أبيها. لم تحصل على جواب تستطيع طفلة في السابعة أن تفهمه. عادت إلى الممر ووقفت أمام الباب.

كانت تعرف أن أباها حين يخرج يعود دائمًا بالمفاتيح نفسها، وأنها تسمع قبل دخوله صوت المفتاح وهو يدور في القفل. ظلت تنظر إلى المقبض، منتظرة ذلك الصوت الذي لم يأتِ.

أما سارة، فلم تكن تعرف أن الرجل الذي غاب تلك الليلة كان أباها.

مر النهار ولم يعد علي، وجاء الليل، وظل الباب مغلقًا.

وجدت أم البنتين نفسها تقوم بما كان علي يقوم به من قبل؛ تحمل سارة، وتجيب نبأ، وتدير البيت وحدها. تعلمت أن تقول: «أبوك سيعود»، من دون أن تعرف متى، وأن تؤجل بعض الإجابات إلى وقت لا تدري إن كان سيأتي.

لم يكن غياب علي سفرًا اختاره، ولا ابتعادًا قررته الأسرة. اقتيد من بيته دون أن يُمنح فرصة لتوديع ابنتيه، ومنذ تلك الليلة صار مصيره خارج قدرة زوجته وابنتيه على فهمه أو تغييره.

في مكان احتجازه، كان للباب حكاية أخرى.

لم يعد المفتاح في جيبه، ولم يعد يعرف متى يُفتح الباب أو متى يُغلق. صار صوت القفل جزءًا من يومه؛ صوتًا يوقظ فيه ترقبًا لا يعرف إن كان سيقوده إلى خبر أو سؤال أو ساعات أخرى من الانتظار.

في الأيام الأولى، كان يرفع رأسه كلما سمع المفتاح يدور. ثم تعلّم أن الصوت لا يعني بالضرورة شيئًا، وأن الأبواب قد تُفتح أمام الإنسان دون أن تمنحه طريقًا إلى الخارج.

ومع ذلك، بقيت ليلة واحدة تعود إليه كلما خلا إلى نفسه: الممر، والضوء المتسلل من غرفة نبأ، وسارة التي لم تبلغ أربعين يومًا، والباب الذي غادره دون أن يودع ابنتيه.

كان يسأل عنهما كلما وصلته الأخبار.

ماذا تحب نبأ الآن؟ ماذا تدرس؟ وهل ما زالت تترك حذاءها قرب الباب كما كانت تفعل وهي صغيرة؟

ثم يسأل عن سارة: كيف أصبح صوتها؟ ماذا تحب؟ وهل تعرف صورته حين تراها؟

كانت الأسئلة تتكاثر، بينما تصل الإجابات قليلة ومتأخرة. لم يكن يعرف كيف تكبران، ولا أي ملامح جديدة ستضيفها السنوات إلى وجهيهما. كان يتخيلهما أحيانًا، ثم يتوقف، خائفًا من أن تكون الصورتان اللتان يرسمهما في ذهنه قد ابتعدتا كثيرًا عن الحقيقة.

كبرت سارة وهي تعرف أباها من الصور، بينما احتفظت نبأ بذكريات متفرقة عن رجل له صوت ويد ومفتاح يعود به إلى البيت. ومع مرور السنوات، بهتت بعض التفاصيل في ذاكرتها، لكن انتظارها لم يفقد صورته الأولى: باب مغلق، وصوت مفتاح لم يصل.

في إحدى الليالي، سمع علي ضحكة فتاة في مكان قريب.

توقف عن القراءة، وبقي القلم بين أصابعه. لم تكن الضحكة لإحدى ابنتيه، وكان يعرف ذلك، لكنه ظل ساكنًا حتى اختفى الصوت. ثم أعاد القلم إلى مكانه دون أن يكمل الصفحة.

بعد سنوات، وصلت إليه بعض أشيائه القديمة، وكانت بينها حلقة المفاتيح.

أمسكها طويلًا، ثم حركها بين أصابعه. صدر الرنين المعدني الذي يعرفه، الرنين نفسه الذي كان يسمعه في البيت كلما عاد أو غادر.

لم يحتج إلى أن يغلق عينيه كي يرى البلاد القديم. عاد إليه البيت، والممر، والمسجد القريب، والمأتم المجاور، والأضواء القليلة في الأزقة. ثم عادت نبأ وهي تقف قرب الباب تنتظر صوت المفتاح، وسارة التي لم يعرفها إلا من الصور.

وضع الحلقة إلى جانب وسادته تلك الليلة، وحين أطفأ الضوء ظلت يده قريبة منها.

مضت سنوات أخرى قبل أن يأتي اليوم الذي سُمح له فيه بالعودة. لم يكن أول ما أراد فعله أن يشرح أو يستعيد ما مضى؛ فقد عرف أن السنوات لا تختصرها الكلمات، وأن البيت الذي ظل حاضرًا في ذاكرته لم يعد بالضرورة البيت نفسه الذي ينتظره.

وقف أمام الباب.

كان في مكانه، والخدش الصغير قرب حافته لم يتغير كثيرًا. أخرج المفتاح من الحلقة، وأداره بين أصابعه. بدت له يده غريبة، كأنها يد رجل آخر، لكنه عرف المفتاح حين وضعه في القفل.

أداره ببطء.

صدر الصوت الذي حفظه طوال سنوات الغياب.

ثم فتح الباب.

كانت نبأ أول من رآه. وقفت أمامه صامتة، تتأمل وجهه، كأنها تحاول أن تطابق الرجل الواقف أمامها مع الصورة التي بقيت في ذاكرتها منذ طفولتها. لم تكن الطفلة التي تركها في تلك الليلة، ولم يكن هو الرجل الذي خرج من البيت قبل سنوات.

اقتربت منه، ثم أمسكت يده.

وخلفها كانت سارة، الفتاة التي لم تعرفه إلا من الصور. رفعت عينيها إليه، ثم تقدمت بتردد ومدت يدها ولمست وجهه. بقيت تتفحص ملامحه، كأنها تحاول أن تطابق الوجه الذي أمامها مع الوجه الذي عرفته طوال حياتها في الصور.

لم يقل شيئًا، ولم تقل شيئًا.

تراجعت يد سارة ببطء، وظلت تنظر إليه. أما نبأ، فبقيت ممسكة بيده، كأنها تخشى أن يكون هذا اللقاء عابرًا مثل حلم ينتهي حين يستيقظ صاحبه.

وكان حذاؤها الصغير موضوعًا قرب الباب.

تسلل من الخارج شيء من أصوات القرية، وجاء من بعيد صوت الأذان من المسجد القريب. للحظة، بدا المكان كما تركه علي، ثم عاد يسمع أنفاس ابنتيه أمامه، ويرى السنوات التي لم يكن حاضرًا فيها.

لم يكن في المشهد ما يمحو الغياب، ولا ما يعيد الطفلتين اللتين تركهما خلف الباب. لكنه كان لقاءً طال انتظاره، ولم يعرف أحد منهم كيف ينبغي أن يبدأ.

ظل المفتاح في يده. نظر إليه مرة، ثم وضعه في جيبه.

وأبقى الباب مفتوحًا.