من مباحث أمن الدولة إلى جهاز المخابرات الوطني في البحرين: حين تتغير الأسماء ولا ينتهي السؤال
عبدالله البحراني - 2026-11-03 - 10:39 م
مقدمة تعريفية
يتناول هذا المقال مسار الجهاز الأمني في البحرين، من الجذر البريطاني لأجهزة الشرطة والاستخبارات، مرورًا بمباحث أمن الدولة وجهاز الأمن الوطني، وصولًا إلى جهاز المخابرات الوطني. وهو مقال حقوقي تحليلي يقرأ المسار القانوني والمؤسسي في ضوء تقارير الجهات الدولية والمستقلة، ويفرّق بين وقوع الانتهاك، وتحديد المسؤول عنه، ومدى تحقق المساءلة.
ما وراء الاسم: كيف تُقرأ المؤسسات الأمنية
لا تستطيع الدول أن تغيّر ماضيها بتغيير لافتة على باب مؤسسة. فالمؤسسات لا تُقرأ بأسمائها، وإنما بما مُنحت من صلاحيات، وبكيفية ممارستها، وبحدود الرقابة عليها، وبقدرة المجتمع والقانون على مساءلتها حين تتجاوز تلك الحدود.
لذلك فالسؤال عن جهاز الأمن في البحرين ليس سؤالًا عن اسم فحسب. إنه سؤال عن العلاقة بين الدولة والأمن، وبين الاستخبارات وإنفاذ القانون، وبين السرية التي تحتاجها أجهزة المعلومات بطبيعتها والرقابة التي تحتاجها الدولة حتى لا تتحول السرية إلى مساحة لا تطالها المساءلة.
يتتبع هذا المقال مسار المؤسسة من الإدارة العامة لمباحث أمن الدولة، إلى جهاز الأمن الوطني عام 2002، ثم إلى جهاز المخابرات الوطني عام 2020. وهو مسار اتسعت فيه الصلاحيات وضاقت، وعادت فيه بعض الصلاحيات، وتغير فيه الاسم، دون أن ينتهي السؤال الأهم: من يراقب القوة حين تعمل في أكثر مناطق الدولة حساسية وسرية؟
قبل 1974: الجذر البريطاني
تاريخ الأجهزة الأمنية في البحرين أقدم من أي مرسوم بحريني حديث. فخلال فترة الحماية البريطانية لعب مستشارون ومسؤولون بريطانيون أدوارًا واسعة في بناء مؤسسات الدولة، وكان تشارلز بلجريف، مستشار حاكم البحرين بين عامي 1926 و1957، من أبرزهم. وتوضح سجلات جامعة إكستر أن دوره لم يكن سياسيًا فحسب، بل شمل الإدارة والشرطة والقضاء، وأنه أشرف على تطوير جهاز الشرطة.
وتكتسب هذه المرحلة دلالة إضافية من سجل بلجريف الشخصي. فقد كشفت مقتطفات من أرشيفه، نُشرت ضمن دراسة أكاديمية حديثة عن القمع السياسي في البحرين، عن إشارة في مذكراته بتاريخ 27 مايو/أيار 1932 إلى ضربه مشتبهًا بهم أثناء استجوابهم، وصف فعله بأنه «بربري وغير قانوني»، مع تبريره بأنه اضطر إليه في بعض الظروف. وهذه الوثيقة لا تجعل من بلجريف مرآة لكل تاريخ الأمن البحريني، لكنها تبين أن استخدام القوة في الاستجواب له جذور أقدم من المؤسسات المتأخرة.
ثم جاءت مرحلة أوضح في النصف الثاني من القرن العشرين. ففي عام 1966 تولى البريطاني إيان هندرسون قيادة الإدارة العامة لمباحث أمن الدولة (جهاز الأمن والاستخبارات)، واستمر في موقعه حتى تقاعده في فبراير/شباط 1998، وتوفي عام 2013. وكان قد عمل قبل ذلك في الشرطة الاستعمارية البريطانية في كينيا، وهي خلفية ارتبطت باتهامات باستخدام أساليب قاسية ضد خصوم الاستعمار. وتشير وثائق برلمانية وأبحاث تاريخية إلى استمرار حضور بريطاني قوي في الأجهزة الأمنية بعد الاستقلال عام 1971، وإلى أن هندرسون ظل رئيسًا للفرع الخاص في تلك المرحلة.
وهنا مفارقة مهمة: الاستقلال السياسي لم يعنِ اختفاء الخبرة والنفوذ البريطانيين من البنية الأمنية فورًا.
لكن يجب الحذر من القفز من هذه الحقيقة إلى استنتاج غير مثبت. فوجود ضباط ومستشارين بريطانيين في مواقع مؤثرة لا يعني أن جهاز الأمن الوطني الذي تأسس عام 2002 هو استمرار قانوني لجهاز بريطاني سابق؛ فالمؤسسات والقوانين والبيئة الدستورية تغيرت. ما يمكن قوله بثقة أكبر أن تاريخ الأمن البحريني لم يبدأ عام 2002، وأن فهم المؤسسات اللاحقة يتطلب النظر في الإرث الذي تشكل عبر عقود من الخبرة والتدخل والتعاون البريطاني في المجال الأمني.
1974: القانون الذي جعل الاستثناء قاعدة
البداية الأوضح في السجل القانوني للجهاز الأمني هي قانون تدابير أمن الدولة لعام 1974. فقد منح السلطات أدوات استثنائية، من بينها الاحتجاز لفترات طويلة دون محاكمة، وبقي نافذًا حتى أُلغي في فبراير/شباط 2001.
وهذا القانون مهم لفهم البيئة الأمنية والقانونية التي سبقت التحولات اللاحقة، لكنه لا يصلح وحده دليلًا على نشأة جهاز الأمن الوطني بصورته اللاحقة. والتفرقة هنا ليست تفصيلًا لغويًا: فالتاريخ السياسي يميل أحيانًا إلى دمج مؤسسات مختلفة في مؤسسة واحدة لمجرد أنها عملت في المجال نفسه، بينما لكل مؤسسة في القانون أساس وصلاحيات وحدود ومسؤوليات.
ولم يمر القانون دون اعتراض سياسي. فبحسب المراجع التاريخية رفض المجلس الوطني القانون، فعلّق الأمير الدستور وحلّ المجلس عام 1975، وتبعت ذلك اعتقالات واسعة. وبهذا ارتبط القانون بتعليق الحياة النيابية، لا بالإجراءات الأمنية وحدها.
التسعينيات: حين أصبح التعذيب جزءًا من السجل
لا يمكن المرور على عقد التسعينيات بوصفه مجرد مرحلة اضطراب سياسي. ففي تلك السنوات أصبحت قضية التعذيب وسوء المعاملة داخل الأجهزة الأمنية جزءًا موثقًا من السجل الحقوقي والسياسي للبحرين، وارتبطت بأسماء مسؤولين محددين وبشهادات عدد كبير من المحتجزين. وفهم ما جاء بعدها، من إنشاء جهاز الأمن الوطني إلى قانون العفو، يظل ناقصًا إذا عُزل عن هذا الإرث.
ويحسن أن يوضع هذا السجل في سياقه الزمني. فقد شهدت البحرين بين عامي 1994 و1999 انتفاضة سياسية قُتل فيها أكثر من أربعين مدنيًا، معظمهم برصاص قوات الأمن بحسب المراجع، وتفاوتت أرقام المعتقلين بين نحو 300 بحسب الحكومة في فبراير/شباط 1995 وما يصل إلى ألفين بحسب ناشطين. وانتهت المرحلة بتولي الأمير حمد بن عيسى الحكم عام 1999، ثم أُقر ميثاق العمل الوطني في استفتاء يومي 14 و15 فبراير/شباط 2001 بنسبة تأييد بلغت 98.4%، وتزامن معه إلغاء قانون أمن الدولة وصدور العفو الشامل. وفي هذا الانتقال تحديدًا يتحدد سؤال المساءلة الذي يعالجه المقال.
ما توثقه المصادر
في تقريرها لعام 1997 وثقت هيومن رايتس ووتش شهادات ومعلومات عن التعذيب وسوء المعاملة، وورد فيها اسم عادل فليفل بصورة متكررة إلى جانب مسؤولين وعناصر آخرين في الأجهزة الأمنية. وأشار تقرير قُدم إلى لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في العام نفسه إلى اتهامات محددة ضده، ووصفه بأنه كان مسؤولًا عن تعذيب عدد كبير من المعتقلين السياسيين.
ولم تقتصر الشهادات على المنظمات الحقوقية. ففي مجلس اللوردات البريطاني عام 1995 عُرضت على الحكومة البريطانية شهادة عن احتجاز عفاف الجمري وتعذيبها، نُسبت فيها الواقعة إلى عادل فليفل، مع الإشارة إلى روايات أخرى عن تعذيب منسوب إليه وإلى أنها ليست حالة معزولة.
أما إيان هندرسون، الذي ترأس جهاز الأمن والاستخبارات حتى عام 1998، فقد تكرر اسمه في شهادات وتقارير تناولت ممارسات التعذيب في البحرين، ووصل الجدل حول دوره ومسؤوليته إلى البرلمان البريطاني. وأهمية حالته أنها لا تتعلق بواقعة فردية معزولة، بل بمسؤول ظل في موقع القيادة خلال فترة ارتبطت فيها المؤسسة التي يرأسها بسجل واسع من شكاوى التعذيب. ولذلك لا ينبغي اختزال تقييم دوره في سؤال ما إذا كان قد ارتكب شخصيًا كل واقعة، بل يشمل مسؤوليته بحكم موقعه عن جهاز وقعت في نطاقه تلك الممارسات وتكررت بشأنها الشهادات والبلاغات.
وفي تقريرها لعام 1995 وصفت منظمة العفو الدولية التعذيب وسوء المعاملة في البحرين بأنهما واسعا الانتشار ومنهجيان، في سياق حديثها عن الاعتقال والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي وغياب التحقيق الفعال في مزاعم التعذيب.
شهادة شخصية
أضع شهادتي الشخصية في هذا السجل لا بوصفها بديلًا عن الوثائق، بل بوصفها شهادة مباشرة من أحد الذين تعرضوا للتعذيب في تلك المرحلة. فقد تعرضت للتعذيب الجسدي والنفسي على يد عادل فليفل. أورد هذه الشهادة باعتبارها واقعة عشتها شخصيًا، لا باعتبارها حكمًا قضائيًا، ولا دليلًا يغني عن بقية الوثائق والشهادات. أما الوقائع الأخرى المنسوبة إليه، فتُقرأ في ضوء ما تراكم بشأنها من شهادات الضحايا والتقارير والوثائق المستقلة.
من التسعينيات إلى سؤال المساءلة
تتصل هذه الوقائع بما حدث بعد ذلك. ففي 11 ديسمبر/كانون الأول 2002 حاول محامو ثمانية من الضحايا تقديم شكوى رسمية إلى النيابة العامة ضد عادل فليفل عن تعذيب خلال احتجازهم بين 1994 و1997، وذكرت هيومن رايتس ووتش أن النيابة رفضت، بحسب ما ورد، قبولها، وطالبت الملك بتوضيح أن المرسوم رقم 56 لا يسري على الجرائم الجسيمة كالتعذيب. وهنا يلتقي سجل التسعينيات بالمرسوم بقانون رقم 56 لسنة 2002، الذي يعالجه القسم التالي: فالسؤال لم يعد فقط ماذا حدث للمحتجزين، بل هل يستطيع الضحايا بعد انتهاء تلك المرحلة الوصول إلى العدالة ومساءلة من يتهمونهم.
ومن الضروري هنا ضبط الحدود القانونية. فهذا لا يعني أن جهاز الأمن الوطني الذي أُنشئ عام 2002 هو المؤسسة نفسها التي عمل فيها مسؤولو الأمن في التسعينيات، ولا أن كل من عمل في مؤسسة لاحقة يتحمل مسؤولية ما وقع قبل إنشائها. لكنه يعني أن الجهاز الجديد لم يظهر في فراغ تاريخي، بل ورث دولة ومؤسسات وذاكرة أمنية وملفًا مفتوحًا من الأسئلة عن التعذيب والمساءلة.
2002: جهاز جديد، وسؤال المساءلة الذي لم يُحسم
في عام 2002 صدر المرسوم رقم 14 لسنة 2002 بإنشاء جهاز الأمن الوطني، ليحل محل الإدارة العامة لمباحث أمن الدولة. وبحسب توصيف لجنة البحرين المستقلة لتقصي الحقائق، كان الجهاز معنيًا بالاستخبارات الداخلية ومكافحة التجسس ومراقبة مسائل الأمن الوطني، ورئيسه في مرتبة وزير ويرفع تقاريره إلى رئيس الوزراء.
ووجود جهاز استخبارات ليس مشكلة في حد ذاته؛ فالدولة الحديثة تحتاج إليه كما تحتاج إلى مؤسسات شرطية وعسكرية وقضائية. المشكلة تبدأ حين تغيب الحدود بين وظائف هذه المؤسسات. فالعمل الاستخباراتي يقوم على جمع المعلومات وتحليلها وتقدير المخاطر، أما القبض والتفتيش والاحتجاز والتحقيق فإجراءات تمس حرية الإنسان مباشرة، ولذلك ترتبط عادة بضمانات قانونية وقضائية مختلفة.
قانون 56: العفو الذي فتح باب الجدل
لم يكن إنشاء الجهاز التطور الوحيد في ذلك العام. فقد صدر أيضًا في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2002 المرسوم بقانون رقم 56 لسنة 2002 بتفسير بعض أحكام المرسوم بقانون رقم 10 لسنة 2001 بشأن العفو الشامل عن الجرائم الماسة بالأمن الوطني. وأهميته في أثره على المساءلة عن الأفعال السابقة لعام 2001، إذ اعتبرته منظمات حقوقية تشريعًا يوفر حصانة من التحقيق أو الملاحقة عن بعض الجرائم المرتكبة قبل ذلك التاريخ.
وأثار القانون منذ صدوره جدلًا سياسيًا وحقوقيًا، خصوصًا بشأن شموله مسؤولين أمنيين اتُّهموا بانتهاكات خلال أحداث التسعينيات. فقد نقلت هيومن رايتس ووتش عن مدعٍ حكومي أن العفو يشمل مسؤولي الأمن المتهمين بانتهاكات ارتُكبت قبل فبراير/شباط 2001، ورأت أن استخدامه على هذا النحو لا يتفق مع الدستور وقانون العقوبات والتزامات البحرين بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب.
وهنا مفارقة في مسار الإصلاح: بينما كانت الدولة تعيد بناء مؤسساتها السياسية والأمنية بعد التسعينيات، بقيت المساءلة عن إرث تلك المرحلة موضع نزاع. فإعادة تنظيم المؤسسة الأمنية لا تجيب وحدها عن سؤال ما إذا كان بالإمكان محاسبة المسؤولين عن انتهاكات سبقت إعادة التنظيم. ولذلك لا يمثل قانون 56 تفصيلًا قانونيًا في بداية عهد الجهاز، بل جزءًا من السياق الذي تُقرأ فيه العدالة الانتقالية وحدود العفو حين يتعلق الأمر بادعاءات التعذيب وسوء المعاملة.
2008: حين اقتربت الاستخبارات من إنفاذ القانون
في 31 ديسمبر/كانون الأول 2008 صدر المرسوم رقم 117 الذي منح ضباط جهاز الأمن الوطني وضباط صفه وأفراده صفة الضبط القضائي بالنسبة إلى الجرائم الداخلة في اختصاص الجهاز. وبذلك انتقل حضور الجهاز من جمع المعلومات إلى إنفاذ القانون.
والفارق بين الأمرين ليس تقنيًا. فحين تجمع مؤسسة المعلومات، قد يؤدي خطؤها إلى تقدير أمني سيئ؛ لكن حين تملك صلاحية قانونية في إجراءات الضبط، قد يتحول الخطأ إلى مساس مباشر بحرية شخص. ولهذا فإن توسيع الصلاحيات الأمنية يستلزم، بالقدر نفسه، توسيع آليات الرقابة والمساءلة.
2011: الاختبار الأكبر، ثم التصحيح
كان عام 2011 الاختبار الأكبر للمؤسسات الأمنية البحرينية. وبحسب ما نقلته هيومن رايتس ووتش عن لجنة البحرين المستقلة لتقصي الحقائق، اعتقل جهاز الأمن الوطني 179 شخصًا بعد احتجاجات فبراير/شباط 2011. ووثقت اللجنة أنماطًا من سوء المعاملة الجسدية والنفسية، وخلصت في عدد من الحالات إلى وجود تعذيب، ونسبت هذه الممارسات إلى أفراد من جهاز الأمن الوطني ووزارة الداخلية.
ويجب التوقف هنا أمام اللغة. فهذه ليست دعوة إلى اتهام كل موظف في الجهاز، ولا إلى القول إن كل توقيف كان انتهاكًا، ولا إلى اختزال مؤسسة كاملة في أسوأ ما نُسب إلى بعض أفرادها. لكنها في الوقت نفسه ليست وقائع تُختزل في إشارة عامة إلى ظروف استثنائية. فإذا كانت لجنة مستقلة قد وثقت أنماطًا من الانتهاكات داخل مؤسسات أمنية، فإن السؤال يتجاوز المسؤولية الفردية إلى بنية السلطة والرقابة: هل كانت الوقائع تجاوزات فردية، أم أن البيئة المؤسسية أتاحت حدوثها واستمرارها؟
وقد سلّمت اللجنة تقريرها في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2011، وأحصت 559 ادعاءً بالتعذيب بحسب ملخص منشور عن عملها، وأشارت إلى «ثقافة إفلات من العقاب» ناجمة عن غياب المساءلة بين المسؤولين الأمنيين. ونقلت هيومن رايتس ووتش عنها أن جهاز الأمن الوطني «اتبع ممارسة منهجية لسوء المعاملة الجسدية والنفسية بلغت في حالات كثيرة حد التعذيب»، وأنه شارك في سلوك يبثّ الرعب أثناء مداهمات المنازل الليلية.
عبدالكريم فخراوي: حين يصبح التاريخ اسم شخص
وراء كل رقم في التاريخ السياسي إنسان له اسم وحكاية وحقوق. وتوثيق الأسماء ليس مجرد حفظ للذاكرة، بل إنصاف للضحايا، وتأكيد أن الحقيقة لا تسقط بالتقادم، وأن الكرامة والعدالة حق لكل إنسان.
كان عبدالكريم فخراوي (ناشر ورجل أعمال ومؤسس صحيفة الوسط)، توفي في أبريل/نيسان 2011 بعد احتجازه لدى جهاز الأمن الوطني ونقله لاحقًا إلى المستشفى. وبحسب ما أوردته هيومن رايتس ووتش استنادًا إلى نتائج لجنة تقصي الحقائق، عُزيت وفاته إلى التعذيب أثناء احتجازه في عهدة الجهاز، ووجهت النيابة إلى ضابطين من الجهاز تهمة الاعتداء، لا القتل ولا التعذيب، وخفّضت محكمة الاستئناف العليا في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2013 عقوبة كل منهما من سبع سنوات إلى ثلاث.
لا تكمن أهمية القضية في بناء حكم شامل على مؤسسة كاملة، بل في أنها تضع أمام الدولة سؤالًا لا تجيب عنه النصوص وحدها: ماذا يحدث حين يفشل النظام الأمني في حماية شخص أصبح تحت سلطته؟ فالاحتجاز يضع الفرد في علاقة غير متكافئة تمامًا مع الدولة؛ لا يملك مفاتيح المكان ولا حرية المغادرة ولا القدرة على حماية نفسه. ولهذا لا تبدأ مسؤولية الدولة عند وقوع الانتهاك فقط، بل من لحظة وضع الإنسان تحت سلطتها.
الإصلاح الذي حمل وعدًا
بعد أحداث 2011 أوصت لجنة تقصي الحقائق بإعادة تعريف دور جهاز الأمن الوطني بحيث يقتصر على جمع المعلومات الاستخباراتية، وألا يمارس وظائف الاعتقال وإنفاذ القانون (التوصية رقم 1718)، مع إخضاعه لرقابة مستقلة. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2011 صدر المرسوم رقم 115 الذي أعاد تضييق اختصاص الجهاز نحو جمع المعلومات وبعض المهام المرتبطة بالاستخبارات ومكافحة الإرهاب، مع إحالة القبض والتوقيف إلى وزارة الداخلية.
كان ذلك من الناحية المؤسسية تصحيحًا مهمًا، والدرس الذي بدت الدولة قد استخلصته واضحًا: الاستخبارات شيء والشرطة شيء آخر، ولا ينبغي أن تختلط الحدود بينهما دون رقابة. لكن الإصلاح لا يُقاس بالنص الذي يصدر فقط، بل بقدرته على الصمود.
ما بعد 2011: آليات المحاسبة بين الرواية الرسمية وتقييم الأمم المتحدة
لا يكتمل تقييم الإصلاح دون عرض الرواية الرسمية. فبعد التقرير منح مجلس الوزراء في 8 يناير/كانون الثاني 2012 النائب العام اختصاصًا حصريًا بالتحقيق في ادعاءات التعذيب وحمى مقدمي الشكاوى من الانتقام، وصدر في 28 فبراير/شباط 2012 مرسوم بإنشاء أمين مظالم في وزارة الداخلية وإدارة للشؤون الداخلية، ثم المرسوم رقم 28 لسنة 2012 بإنشاء مكتب مستقل للمفتش العام ومكتب للمعايير المهنية في جهاز الأمن الوطني. وأمام لجنة مناهضة التعذيب في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 قال الوفد الرسمي إن التعذيب مجرَّم دون تقادم، وإن الأدلة المنتزعة به غير مقبولة، وإن وحدة التحقيقات الخاصة حققت مع 212 ضابطًا.
غير أن خبراء اللجنة تساءلوا عن عدد الشكاوى التي أحالتها وحدة التحقيقات الخاصة فعلًا إلى القضاء، ووصفوا أمين المظالم بأنه غير فعال ولا يملك سلطة الإحالة المباشرة إليه، وأشاروا إلى أن المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان لا تحمل تصنيف «ألف» وفق مبادئ باريس، وإلى اختلاف الأرقام التي قدمها الوفد عن الشكاوى (نحو 300 خلال خمس سنوات في تصريح، و180 منذ 2022 في آخر). وذكرت الخدمة الدولية لحقوق الإنسان (ISHR) أن الوفد لم يقدم إجابات تفصيلية عن ادعاءات التعذيب. وليس المطلوب هنا الفصل بين الروايتين، بل بيان ما يحسمه: بيانات منشورة عن عدد الشكاوى وما أُحيل منها إلى القضاء وما انتهى بحكم.
2017 و2020: صلاحية تعود، واسم يتغير
في يناير/كانون الثاني 2017 صدر المرسوم رقم 1 الذي أعاد إلى أفراد جهاز الأمن الوطني صفة مأموري الضبط القضائي في جرائم الإرهاب. والدقة مطلوبة هنا: لم تكن تلك إعادة عامة لصلاحيات الاعتقال في جميع الجرائم، بل صلاحية مرتبطة بنطاق محدد. ومع ذلك اعتبرت هيومن رايتس ووتش الخطوة تراجعًا عن إصلاحات 2011. ولا يعني ذلك أن التاريخ عاد إلى نقطة الصفر، لكنه يبين أن حدود المؤسسة ليست ثابتة: تتسع وتضيق، وقد تعود صلاحيات سُحبت في مرحلة سابقة. ولهذا لا تكفي قراءة القانون في لحظة واحدة، بل يجب قراءة اتجاه الحركة نفسها.
وفي 16 يوليو/تموز 2020 صدر الأمر الملكي رقم 30 لسنة 2020 الذي عدّل تسمية «جهاز الأمن الوطني» إلى «جهاز المخابرات الوطني»، وعدّل تبعًا لذلك مسمى رئيس الجهاز. وتؤكد القرارات اللاحقة استمرار التسمية، ومنها الأمر الملكي رقم 28 لسنة 2024 بشأن ترقية رئيس الجهاز وتعيينه.
وهنا يجب الفصل بين سؤالين يختلطان كثيرًا: هل تغير اسم المؤسسة؟ نعم، رسميًا. وهل يعني ذلك وحده أنها أُعيد تأسيسها أو تغيرت طبيعة صلاحياتها؟ ليس بالضرورة. فالاسم يصف المؤسسة ولا يكشف حدود سلطتها.
وفي المقابل، يوثق التشريع اللاحق وجود مكتب مستقل للمفتش العام ومكتب للمعايير المهنية داخل الجهاز، وهو جانب ينبغي إدخاله في أي تقييم متوازن للبنية الرقابية، مع بقاء السؤال عن مدى استقلال هذه الآليات وفعاليتها في الواقع.
المراقبة الرقمية: المعركة تنتقل إلى الهاتف
إذا كان الجيل السابق من الأجهزة الأمنية يعمل عبر المراقبة الميدانية والاستدعاء والتحقيق والاحتجاز، فإن التكنولوجيا الحديثة تمنح الدولة أدوات مختلفة تمامًا. فقد وثقت تقارير Citizen Lab إصابة عدد من النشطاء البحرينيين ببرنامج التجسس Pegasus، وخلصت في بعض الحالات بدرجة ثقة مرتفعة إلى ارتباط العمليات بجهة حكومية بحرينية أطلقت عليها اسم «LULU».
لكن هذه النتائج التقنية لا تثبت وحدها أن جهاز الأمن الوطني أو جهاز المخابرات الوطني هو الجهة التي أصدرت الأوامر أو نفذت عمليات التجسس. والقوة الحقيقية في أي تحقيق سياسي ليست في الوصول إلى اتهام أكبر، بل في معرفة ما تستطيع الأدلة إثباته فعلًا.
ومع هذا التحفظ، تكشف القضية شيئًا أوسع: المعركة الأمنية لم تعد تدور في غرف التحقيق ونقاط التفتيش فقط، بل في الهاتف والحاسوب والبيانات والاتصالات، وفي مساحات لا يشعر فيها الشخص أصلًا بأنه مراقَب. وهذا ما يجعل السؤال عن الرقابة أكثر إلحاحًا.
أثر السلطة السرية على المجتمع
لا يمكن فهم مؤسسة استخباراتية من خلال صلاحياتها القانونية وحدها. فوجود صلاحية الاعتقال أو التحقيق داخل جهاز استخباراتي لا يظل محصورًا فيه؛ إنه يؤثر في علاقة الصحفي بالدولة، والناشط بالمؤسسة الأمنية، والمحامي بالملف، والأسرة بالمحتجز، والمواطن بالمؤسسات كلها. ولهذا ترتبط قضية الأمن الوطني بمفاهيم مثل المحاكمة العادلة وحرية التعبير وحرية التنظيم واستقلال المؤسسات والثقة العامة.
وهذا القلق ليس نظريًا. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أعربت لجنة مناهضة التعذيب، بحسب ما أوردته الخدمة الدولية لحقوق الإنسان، عن قلقها العميق من أعمال انتقامية بحق المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والمعارضين، تشمل الاحتجاز التعسفي والمحاكمات العسكرية والتعذيب والاختفاء القسري، وأوصت بألا يُستخدم سحب الجنسية انتقامًا. وكلما اتسعت السلطة السرية أصبح المجتمع أكثر حاجة إلى رقابة علنية وفعالة؛ وهذه ليست معادلة ضد الأمن، بل محاولة لحماية الأمن نفسه من التحول إلى سلطة بلا حدود.
2025-2026: الماضي الذي لم يعد ماضيًا
قد يُقال إن كل ما سبق ينتمي إلى مرحلة تاريخية مختلفة، لكن الملاحظات الدولية الحديثة تجعل هذا التفسير أصعب. ففي ملاحظاتها الختامية التي اعتمدتها في ختام دورتها في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بعد أن ناقشت تقرير البحرين الدوري الرابع يومي 18 و19 من الشهر نفسه، أعربت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب عن قلقها إزاء تقارير تتعلق بالتعذيب وسوء المعاملة والضمانات القانونية أثناء الاحتجاز، ودعت إلى تحقيق فوري ومحايد وفعال في الادعاءات، ومحاسبة المسؤولين، وجبر ضرر الضحايا.
وتناولت الملاحظات كذلك الضمانات منذ اللحظة الأولى للحرمان من الحرية: الوصول إلى محام، والفحص الطبي المستقل، وإخطار الأسرة، وتسجيل الاحتجاز، والمثول أمام قاضٍ ضمن المهلة القانونية.
وهذه الملاحظات لا تعني أن اللجنة أثبتت وقوع كل حالة وردت في التقارير التي نظرت فيها، ولا أنها نسبت كل الانتهاكات إلى جهاز المخابرات الوطني تحديدًا؛ إنها تقييم على مستوى الدولة وتوصيات بشأن التزاماتها وممارساتها. لكن دلالتها السياسية أن الأسئلة التي فجّرها عام 2011 لم تغب عن أجندة حقوق الإنسان حتى 2025 و2026: حدود الاحتجاز، والضمانات القانونية، والتحقيق في ادعاءات سوء المعاملة، ومساءلة المسؤولين. وهذا يجعل عام 2026 نقطة قياس جديدة وليس خاتمة للقصة.
وتتصل توصيات اللجنة بمحور هذا المقال مباشرة. فبحسب الخدمة الدولية لحقوق الإنسان أوصت بتحقيقات سريعة ومحايدة ومستقلة، وإيقاف المشتبه بهم، ومقاضاة المنفذين والرؤساء الذين أمروا بالانتهاك أو تغاضوا عنه، وإنشاء هيئة مستقلة لمراقبة الشرطة، ونشر بيانات مفصلة عن الشكاوى والملاحقات. وقال الخبراء في الحوار إن المشتبه بهم في قضايا الإرهاب قد يُحتجزون حتى ستة أشهر دون رقابة قضائية، وأثاروا محاكمة مدنيين أمام محاكم عسكرية، وطُلب من البحرين تقرير متابعة بحلول 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026.
قراءة في المسار: ثلاثة مستويات من المسؤولية وحدود المعرفة
حين يُجمع الخط الزمني كله تظهر صورة أعقد من سردية تختزل المؤسسة في القوة أو القمع. فمن إرث بريطاني سابق للاستقلال، إلى قانون استثنائي في 1974 ألغي في 2001، إلى ملف تعذيب في التسعينيات، إلى جهاز جديد وقانون عفو في 2002، ثم توسيع الصلاحيات في 2008، فاختبار 2011 وما تلاه من تضييق رسمي، ثم عودة صلاحية محددة في 2017 وتغيير الاسم في 2020، وانتقال بعض أدوات المراقبة إلى المجال الرقمي. هذه ليست قصة مؤسسة تسير في اتجاه واحد، بل قصة شد وجذب بين حاجة الدولة إلى أدوات فعالة لحماية أمنها، وحاجة المجتمع إلى ضمان ألا تتحول تلك الأدوات إلى قوة لا تخضع للمراجعة.
ثلاثة مستويات يجب أن تبقى متمايزة
وقوع الانتهاك: هل حدث فعلًا؟
المسؤولية المباشرة: من ارتكبه أو أمر به؟
المسؤولية المؤسسية: من سمح بوقوعه أو لم يمنعه أو لم يحقق فيه ويحاسب عليه؟
فحين تتكرر الانتهاكات داخل جهاز أمني وتظهر بشأنها شهادات وتقارير متعددة، فإن اختزالها في أفعال فردية معزولة لا يفسر الصورة الكاملة ولا يعفي المؤسسة من السؤال عن مسؤوليتها في القيادة والرقابة والمحاسبة. كما أن تغيير اسم الجهاز أو إعادة تنظيمه لا يمحو سجل الانتهاكات السابقة، ولا يُسقط تلقائيًا السؤال عمن كان يملك سلطة القرار والرقابة وهل حققت المؤسسة في تلك الانتهاكات وحاسبت المسؤولين. وفي المقابل، فوجود آليات رقابية داخلية لا يحسم وحده مدى استقلالها وفعاليتها؛ فالرقابة على الورق شيء وقدرتها الفعلية على التحقيق والمساءلة شيء آخر.
ما لا نعرفه
للسجل الأمني العام حدود. فلا تتوافر في المصادر المنشورة مقابلات مستقلة كافية مع مسؤولين حاليين أو سابقين تشرح من داخل الجهاز كيف اتُّخذت القرارات، ومن أصدر الأوامر، وكيف أُديرت عمليات الاعتقال والاستجواب. وهذا يحد مما يمكن معرفته عن آليات القرار من الداخل، لكنه لا يضع حدودًا مماثلة لما وثقته الأدلة عن وقوع الانتهاكات نفسها. فالقول «لا نعرف كيف اتُّخذ القرار من الداخل» شيء، والقول «لا نعرف هل وقع الانتهاك» شيء آخر تمامًا.
وينطبق هذا خصوصًا على الحقبة البريطانية والتسعينيات، حيث توثق الشهادات والتقارير وقوع تعذيب وسوء معاملة للمحتجزين، وتتيح تتبع الأدوار والمسؤوليات. أما تحديد المسؤولية الجنائية الفردية عن كل واقعة فيتطلب النظر في أدلة كل حالة على حدة، لكن غياب حكم قضائي في واقعة معينة لا يمحو ما وثقته المصادر من وقوع الانتهاكات نفسها. ولهذا فإن ما يحتاجه السجل الأمني ليس مزيدًا من الافتراضات، بل مزيدًا من الوثائق والبيانات القابلة للتحقق، ومنها نسخة رسمية موحدة ومحدثة تجمع النص النافذ المتعلق بالجهاز وكل تعديلاته في وثيقة واحدة، وإتاحة أكبر قدر من المعلومات غير الحساسة عن آليات الرقابة والشكاوى والمساءلة.
ماذا يعني الإصلاح الحقيقي؟
لا تقتصر المشكلة على وجود جهاز مخابرات. فالدولة تحتاج إلى الاستخبارات لمعرفة المخاطر ومكافحة الإرهاب والتجسس والجريمة المنظمة، ولا يصح أن يتحول النقاش إلى موقف أيديولوجي بين الدفاع عن جهاز قوي ورفض الفكرة من أساسها. لكن القوة الأمنية لا تصبح مشروعة لمجرد أنها تحمل اسم «الأمن الوطني» أو «المخابرات الوطنية»؛ فالمسألة مسألة حدود: صلاحية محددة قانونًا، واستخدام قابل للمراجعة، وجهة مستقلة تستطيع المساءلة حين تمس ممارسة القوة حقوق الأفراد.
وليست البحرين وحدها أمام هذا السؤال. فاتفاقية مناهضة التعذيب، التي تراجع لجنتها التزامات البحرين، تلزم الدول بالتحقيق الفوري والمحايد في ادعاءات التعذيب وبجبر ضرر الضحايا، وقد رأت هيومن رايتس ووتش عام 2002 أن العفو عن جرائم كالتعذيب لا يتفق مع هذه الالتزامات. وقامت تجارب العدالة الانتقالية في المغرب، حيث أُنشئت هيئة الإنصاف والمصالحة عام 2004، وفي جنوب أفريقيا، حيث عملت لجنة الحقيقة والمصالحة منذ منتصف التسعينيات، على كشف الحقيقة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار.
وإذا كان التاريخ قد أظهر أن الصلاحيات تتسع وتضيق وأن الحدود بين الاستخبارات وإنفاذ القانون تتغير بفعل التشريع والظرف السياسي، فإن الإصلاح المستدام يتطلب ما هو أبعد من إعادة التسمية أو تعديل مادة. وهو يقوم على سبع ركائز:
وضوح النص القانوني. نص نافذ واضح ومتاح، يعرف به المجتمع والقضاء والمحامون الصلاحيات الفعلية للجهاز وحدودها وما تغير فيها عبر التعديلات.
الفصل بين الاستخبارات وإنفاذ القانون. حدود قابلة للمراجعة بين جمع المعلومات والقبض والاحتجاز والتحقيق، حتى لا تتحول الوظيفة الاستخباراتية إلى سلطة تنفيذية بلا حدود.
رقابة خارجية مستقلة وفعالة. فالرقابة الداخلية وحدها لا تكفي حين تكون المؤسسة نفسها صاحبة القوة محل الشكوى.
مسؤولية القيادة. ألا تتوقف المساءلة عند منفذ الفعل إذا كشفت الأدلة عن أوامر أو تعليمات أو إخفاقات رقابية سمحت بالانتهاك؛ فالمسؤولية المؤسسية تعني مساءلة من يملك القرار والرقابة لا محاسبة الحلقة الأدنى فقط.
ضبط المراقبة الرقمية. ضوابط قانونية واضحة تمنع أن تتحول القدرة التقنية على جمع المعلومات إلى منطقة استثنائية خارج المراجعة القضائية والمؤسسية.
الشفافية المؤسسية. بيانات قابلة للتدقيق عن الشكاوى والتحقيقات والإجراءات التأديبية والقضائية، دون كشف أسرار العمليات التي يقتضيها حماية الأمن الوطني.
حماية المبلغين والشهود. فالمؤسسة التي لا يستطيع موظفوها أو المتضررون منها الإبلاغ بأمان ستعجز عن اكتشاف الخلل قبل أن يصبح أزمة عامة.
هذه الإصلاحات لا تضعف جهاز المخابرات، بل تمنحه ما هو أثمن: الشرعية المؤسسية.
خاتمة: من الأمن إلى الثقة
لم تكن قضية الأمن في البحرين يومًا قضية أسماء مؤسسات. فمن الإرث الذي تشكل قبل الاستقلال، إلى قانون 1974 ثم إلغائه، إلى سجل التسعينيات، إلى إنشاء جهاز الأمن الوطني وقانون 56 عام 2002، ثم اتساع الصلاحيات في 2008 وما كشفه عام 2011 من مخاطر الخلط بين الاستخبارات وإنفاذ القانون، فعودة صلاحية محددة في 2017 وتغيير الاسم في 2020، تزامنت إعادة بناء المؤسسات مع سؤال لم يُحسم: كيف تُعالج الانتهاكات التي وقعت، وكيف تُمنع من التكرار؟
وفي كل مرحلة يتغير شكل السؤال ويبقى جوهره واحدًا. قانون 56 طرح سؤال المساءلة عن الماضي، وأحداث 2011 طرحت سؤال المسؤولية عن الحاضر، والمراقبة الرقمية تطرح اليوم سؤالًا جديدًا عن حدود القوة في المجال التكنولوجي: من يراقب من يملك القدرة على المراقبة؟
لا تحتاج البحرين إلى أسطورة جديدة عن أجهزتها الأمنية؛ لا أسطورة تختزلها في الشر المطلق، ولا أخرى تعدّ كل ممارسة أمنية ضرورة لا تجوز مساءلتها. ما تحتاجه سجل يمكن قراءته ومراجعته: قوانين واضحة، وصلاحيات محددة، ووقائع موثقة، ورقابة مستقلة، وقضاء قادر على النظر في الانتهاكات، وآليات مساءلة لا تتوقف عند أبواب المؤسسات الأمنية.
وربما يكون السؤال الأهم في 2026 أبسط من ذلك كله: هل تستطيع الدولة أن تثبت أن أمنها أصبح أقوى، وفي الوقت نفسه أكثر خضوعًا للقانون؟
لن تأتي الإجابة من اسم جديد، بل من الوثائق والقضاء والرقابة وطريقة التعامل مع الشكاوى وقدرة الضحية على الوصول إلى العدالة. فالشرعية الأمنية لا تُبنى بالقوة وحدها، والثقة لا تُفرض بالقانون وحده؛ إنها تُبنى حين يعرف المواطن أن المؤسسة التي تحمي الدولة تخضع هي أيضًا للدولة وللقانون، وأن من يتجاوز صلاحياته يمكن أن يُحاسب، وأن من تضرر يستطيع الوصول إلى العدالة، وأن أخطاء الماضي لا تُمحى بتغيير الاسم، وإنما تُواجه بالتوثيق والمساءلة والإصلاح.
عندها فقط يمكن القول إن المؤسسة تغيرت فعلًا.
لا لأنها غيرت اسمها، بل لأنها غيرت علاقتها بالقانون.
ملحق
المحطات الرئيسية في تطور الجهاز الأمني في البحرين
محطات مرتبة زمنيًا من الأقدم إلى الأحدث، مع التركيز على التحولات القانونية والمؤسسية والحقوقية.
1926-1957 - تشارلز بلجريف مستشارًا لحاكم البحرين
شمل دوره الإدارة والشرطة والقضاء، وأشرف على تطوير جهاز الشرطة، بحسب سجلات جامعة إكستر.
27 مايو 1932 - مذكرات بلجريف
أشار فيها إلى ضرب مشتبه بهم أثناء استجوابهم، ووصف فعله بأنه «بربري وغير قانوني»، مع تبريره بأنه اضطر إليه في بعض الظروف. ولا تجعله هذه الوثيقة مرآة لكل تاريخ الأمن البحريني، لكنها تبين أن لاستخدام القوة في الاستجواب جذورًا أقدم من المؤسسات المتأخرة.
1966 - فبراير 1998 - إيان هندرسون على رأس مباحث أمن الدولة
تولى البريطاني إيان هندرسون قيادة الإدارة العامة لمباحث أمن الدولة (جهاز الأمن والاستخبارات) عام 1966، واستمر حتى تقاعده في فبراير 1998. وتكرر اسمه في شهادات وتقارير تناولت ممارسات التعذيب، ووصل الجدل حول دوره إلى البرلمان البريطاني.
1971 - الاستقلال
تشير وثائق برلمانية وأبحاث تاريخية إلى استمرار حضور بريطاني قوي في الأجهزة الأمنية بعد الاستقلال. ولا يعني ذلك أن جهاز الأمن الوطني الذي تأسس عام 2002 استمرار قانوني لجهاز بريطاني سابق.
1974 - قانون تدابير أمن الدولة
منح السلطات أدوات استثنائية، من بينها الاحتجاز لفترات طويلة دون محاكمة، وبقي نافذًا حتى أُلغي في فبراير 2001.
1975 - حل المجلس الوطني وتعليق الدستور
بحسب المراجع التاريخية رفض المجلس الوطني القانون، فعلّق الأمير الدستور وحلّ المجلس، وتبعت ذلك اعتقالات واسعة.
1994-1999 - انتفاضة سياسية
قُتل فيها أكثر من أربعين مدنيًا، معظمهم برصاص قوات الأمن بحسب المراجع، وتفاوتت أرقام المعتقلين بين نحو 300 بحسب الحكومة (فبراير 1995) وما يصل إلى ألفين بحسب ناشطين. وأصبحت قضية التعذيب وسوء المعاملة داخل الأجهزة الأمنية جزءًا موثقًا من السجل الحقوقي والسياسي للبحرين.
1995 و1997 - تقارير منظمات حقوقية وشهادات
في 1995 وصفت منظمة العفو الدولية التعذيب وسوء المعاملة بأنهما واسعا الانتشار ومنهجيان، وعُرضت في مجلس اللوردات البريطاني شهادة عن احتجاز عفاف الجمري وتعذيبها نُسبت فيها الواقعة إلى عادل فليفل. وفي 1997 وثقت هيومن رايتس ووتش شهادات عن التعذيب وسوء المعاملة، وورد فيها اسم عادل فليفل بصورة متكررة.
1999 - تولي الأمير حمد بن عيسى الحكم
انتهت به مرحلة الانتفاضة ودشن مرحلة جديدة.
14-15 فبراير 2001 - الاستفتاء على ميثاق العمل الوطني
أُقر الميثاق بنسبة تأييد بلغت 98.4%، وتزامن معه إلغاء قانون أمن الدولة وصدور العفو الشامل.
2002 - المرسوم رقم 14: إنشاء جهاز الأمن الوطني
حلّ الجهاز محل الإدارة العامة لمباحث أمن الدولة. وبحسب لجنة البحرين المستقلة لتقصي الحقائق كان معنيًا بالاستخبارات الداخلية ومكافحة التجسس ومراقبة مسائل الأمن الوطني، ورئيسه في مرتبة وزير ويرفع تقاريره إلى رئيس الوزراء.
23 أكتوبر 2002 - المرسوم بقانون رقم 56 لسنة 2002
صدر بتفسير بعض أحكام المرسوم بقانون رقم 10 لسنة 2001 بشأن العفو الشامل. اعتبرته منظمات حقوقية تشريعًا يوفر حصانة من التحقيق أو الملاحقة عن بعض الجرائم المرتكبة قبل 2001، وأثار جدلًا بشأن المساءلة عن انتهاكات التسعينيات.
11 ديسمبر 2002 - شكوى ضد عادل فليفل
حاول محامو ثمانية من الضحايا تقديم شكوى رسمية إلى النيابة العامة عن تعذيب خلال احتجازهم بين 1994 و1997، وذكرت هيومن رايتس ووتش أن النيابة رفضت قبولها بحسب ما ورد.
31 ديسمبر 2008 - المرسوم رقم 117
منح ضباط الجهاز وأفراده صفة الضبط القضائي في الجرائم الداخلة في اختصاصه، فانتقل حضوره من جمع المعلومات إلى إنفاذ القانون.
2011 - اعتقالات ووفاة فخراوي
اعتقل جهاز الأمن الوطني 179 شخصًا بعد احتجاجات فبراير، بحسب ما نقلته هيومن رايتس ووتش عن لجنة تقصي الحقائق. وفي أبريل توفي مؤسس صحيفة «الوسط» عبدالكريم فخراوي بعد احتجازه لدى الجهاز، وعُزيت وفاته إلى التعذيب بحسب نتائج اللجنة.
23 نوفمبر 2011 - تقرير لجنة البحرين المستقلة لتقصي الحقائق
أحصت 559 ادعاءً بالتعذيب، وأشارت إلى «ثقافة إفلات من العقاب». وأوصت بقصر دور الجهاز على جمع المعلومات الاستخباراتية وألا يمارس وظائف الاعتقال وإنفاذ القانون (التوصية رقم 1718)، مع إخضاعه لرقابة مستقلة.
نوفمبر 2011 - المرسوم رقم 115
أعاد تضييق اختصاص الجهاز نحو جمع المعلومات وبعض المهام المرتبطة بالاستخبارات ومكافحة الإرهاب، مع إحالة القبض والتوقيف إلى وزارة الداخلية.
2012 - آليات التحقيق والرقابة
في 8 يناير منح مجلس الوزراء النائب العام اختصاصًا حصريًا بالتحقيق في ادعاءات التعذيب. وفي 28 فبراير صدر مرسوم بإنشاء أمين مظالم في وزارة الداخلية وإدارة للشؤون الداخلية، ثم المرسوم رقم 28 لسنة 2012 بإنشاء مكتب مستقل للمفتش العام ومكتب للمعايير المهنية في الجهاز.
27 أكتوبر 2013 - حكم في قضية فخراوي
وجهت النيابة إلى ضابطين من الجهاز تهمة الاعتداء، لا القتل ولا التعذيب، وخفّضت محكمة الاستئناف العليا عقوبة كل منهما من سبع سنوات إلى ثلاث.
يناير 2017 - المرسوم رقم 1
أعاد إلى أفراد الجهاز صفة مأموري الضبط القضائي في جرائم الإرهاب، وهي صلاحية مرتبطة بنطاق محدد. واعتبرت هيومن رايتس ووتش الخطوة تراجعًا عن إصلاحات 2011.
16 يوليو 2020 - الأمر الملكي رقم 30 لسنة 2020
عدّل تسمية «جهاز الأمن الوطني» إلى «جهاز المخابرات الوطني»، وعدّل تبعًا لذلك مسمى رئيس الجهاز. وتؤكد قرارات لاحقة، منها الأمر الملكي رقم 28 لسنة 2024، استمرار التسمية.
نوفمبر 2025 - لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب
ناقشت اللجنة تقرير البحرين الدوري الرابع يومي 18 و19 نوفمبر. وفي ملاحظاتها الختامية أعربت عن قلقها إزاء تقارير التعذيب وسوء المعاملة والضمانات القانونية أثناء الاحتجاز، ودعت إلى تحقيق فوري ومحايد وفعال، ومحاسبة المسؤولين، وجبر ضرر الضحايا.
28 نوفمبر 2026 - موعد معلومات المتابعة
طلبت لجنة مناهضة التعذيب من البحرين تقديم معلومات متابعة بحلول هذا التاريخ بشأن أربع مسائل: الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي والمرافق غير الرسمية، وظروف الاحتجاز، ورصد أماكن سلب الحرية، والوفيات أثناء الاحتجاز.
المصدر : منظمة سلام للديمقراطية وحقوق الإنسان
- 2026-11-03دولة الإقصاء تعِظ الخليج بالشراكة!
- 2026-11-03أخطر محاكمات القرن في البحرين.. الملك ومشروع إفراغ المجتمع الشيعي من مرجعياته المقبلة
- 2026-11-01الإمارات ستُنقذ البحرين من ديونها بدل السعودية.. ماذا بعد؟
- 2026-10-31حين دخل الاحتجاج قصر الصخير: البحارنة والعريضة والدفاع عن الأحكام الشرعية
- 2026-10-30الشيخ عادل الشعلة يدعو إلى مقاطعة من يخضعون لقرارات السلطة بشأن الشعائر الدينية