الاحتجاج المؤجَّل: كيف يُنتج انسداد السياسة انفجارها القادم في البحرين
عباس المرشد - 2026-11-05 - 8:59 ص
مرآة البحرين: ليست المشكلة في أن الشارع في البحرين يبدو هادئا، بل في الافتراض بأن الهدوء يعني نهاية السياسة بالنسبة لشعب طحنته سياسات الدولة وقررات حكومة مستبدة. فحين تُغلق قنوات التظاهر التقليدي، ويُعاد ضبط المجال العام قانونياً وأمنياً، وتتوسع الرقابة الرقمية إلى مستويات غير مسبوقة، يبدو المشهد وكأن الاحتجاج قد انتهى. غير أن هذا الاستنتاج يتجاهل حقيقة أبسط وأعمق وهي أن السياسة لا تختفي، بل تغيّر موقعها وأدواتها، أو لنقل هكذا نتعلم من تجارب مائة عام من الاحتجاج في البحرين.
فأول مظاهرة سياسية كانت في ديسمبر 1922 احتجاجا على ممارسات الفدواية واحتجاجا على طريقة إدارة عيسى بن علي للحكم. هذه الظاهرة الأولى حملت معها وعيًا سياسيًا يقوم على ضرورة المساواة، وضرورة الاعتراف من جهة، وعلى شرعية الاحتجاج وأحقية الحراك من جهة ثانية.
أعيد التذكير بهذه الحادثة التاريخية مرارًا لأنها هي الفاتحة لكيفية فهم السياسة عند البحراني، وكيف أنه يظل يقاوم ويداوم حتى وإن أنهكه القمع، فهو ينقل الاحتجاج إلى صيغ أخرى وإلى مجالات غير مرئية لأنه يعتقد بأنه محق، ومن حقه أن يُعترَف به وبهويته وحقوقه السياسية والاقتصادية.
في هذا السياق تحديداً تتقاطع أطروحة Asef Bayat حول "السياسة اليومية" مع الحالة البحرينية بصورة أكثر وضوحاً مما قد يبدو في القراءة الأولى، فبيات لا يتحدث عن ثورات مكتملة البنية أو حركات جماهيرية صاخبة، بل عن "اللا-حركات"؛ أي تلك الممارسات الفردية المتفرقة التي لا تبدو سياسية في ظاهرها، لكنها تتحول بفعل التراكم إلى قوة اجتماعية ضاغطة تعيد رسم حدود المجال العام.
في البحرين، حيث يُمنع التظاهر وتُجرَّم أشكال واسعة من التعبير العلني، وحيث يخضع الفضاء الإلكتروني لمراقبة مكثفة ومتطورة، لا يعني ذلك اختفاء الفعل السياسي، بل انتقاله من العلن الصاخب إلى الفضاء اليومي الصامت. السياسة هنا لا تُمارس في الميدان، بل في تفاصيل الحياة: في طريقة العيش، في خيارات العمل، في إعادة تعريف الانتماء، في أشكال الانسحاب والمقاطعة والتكيّف.
فشعار «يسقط حمد» مثلًا، وإن اختفى من الظهور لكنه يظهر في دعاء كل أم شهيد وفي دمعة كل أم معتقل.
تتجلى السياسة اليومية في شبكات التكافل الاجتماعي غير الرسمية، وفي المقاطعات الاستهلاكية الصامتة، وفي الهجرة بوصفها انسحاباً احتجاجياً من المجال الوطني، وفي العزوف الانتخابي حين يُفهم كموقف لا كعدم اكتراث، وفي الخطاب الرمزي المتداول داخل المجالس والدوائر الاجتماعية المغلقة. هذه ليست أحداثاً كبرى، لكنها تعكس مفاوضة مستمرة حول معنى المواطنة وحدود الطاعة وحدود الكرامة.
وحين تُغلق القنوات المؤسسية، لا تختفي المطالب، بل تتحول إلى ضغط كامن. يصبح السلوك اليومي ذاته مساحة للصراع: كيف يؤمّن الفرد عمله؟ كيف يوازن بين الامتثال والاحتفاظ بكرامته؟ كيف يختار البقاء أو المغادرة؟ هذه القرارات الفردية المتكررة تُنتج أثراً بنيوياً عميقاً، لأنها تعيد تشكيل العلاقة بين المجتمع والدولة من الداخل، بعيداً عن عدسات الكاميرات وصخب الإعلام والمقارنات غير المجدية.
وهذا ما يطلق عليه "المقاومة بالحيلة" كما صاغها James C. Scott في تحليله لـ«أسلحة الضعفاء». فالمجتمعات المحاصَرة سياسياً لا تواجه السلطة دوماً بالمواجهة المباشرة، بل بالتكيّف الذكي، بالتورية، بإبطاء الامتثال، بإعادة تفسير القواعد، وبخلق مساحات ظلّ خارج الرؤية الرسمية. هذه المقاومة ليست صاخبة، لكنها طويلة النفس، وهذا النوع من الاستراتيجية هي ما كان الأمين العام الشيخ علي سلمان يؤكد عليه دائما، ففي بدايات اخداث فبراير 2011 وضع ورقة على الطاولة مكتوب عليها «بدأ الماراثون»، لم يستوعب الحضور الفكرة، لذا توّجب على الشيخ شرحها بقوله أن ما تشاهدونه الآن هو سباق ماراثون لا يتوجب الإسراع من البداية، وفي الوقت نفسه يجب الصمود حتى النهاية. إذا فهمنا هذا الإطار فنحن نقف أمام شخصية تعي ظروفها وتخطط بطريقة قيادية لا ترى في الصخب خلاصًا، ولا تعتقد أن الحلول الشكلية مُرضية. فما نريده كما يقول أيضا هو أن لا يعيش أبناؤنا محنة ورثناها "غصبًا عنّا".
الشخصية البحرينية، في سياق مجتمع صغير ومتشابك العلاقات، لم تُبنَ تاريخياً على الصدام المفتوح وحده، بل على التفاوض والمراوغة والصبر الممتد. لذلك، فإن افتراض أن تشديد القبضة يعني نهاية الفعل السياسي هي قراءة سطحية، فالضغط الأمني قد ينجح في منع التظاهر، لكنه لا يستطيع إلغاء الشعور بالحرمان، ولا منع إعادة إنتاجه داخل الحياة اليومية.
المفارقة أن توسع أدوات المراقبة قد يدفع الاحتجاج إلى مزيد من الذكاء والتشظي. فبدلاً من قيادة مركزية يسهل احتواؤها، تظهر أنماط سلوك جماعي بلا رأس واضح؛ وبدلاً من شعار سياسي مباشر، تتقدم مطالب معيشية جزئية تتراكم ببطء. ومع الزمن، يتحول هذا التراكم إلى كتلة معنوية ضاغطة، حتى لو لم تُعلن نفسها بوصفها حركة سياسية.
الخطأ الاستراتيجي إذن يكمن في الاعتقاد بأن المجال العام هو فقط ما يُرى في الشارع أو على المنصات المفتوحة. المجال العام الحقيقي يتشكل أيضاً في ما لا يُرى: في المزاج العام، في الثقة المتآكلة، في قرارات الهجرة، في إحجام الكفاءات، وفي الاقتصاد الرمزي للشرعية. هذه كلها مؤشرات لسياسة يومية صامتة. تؤكد أن العقد الاجتماعي مع الدولة قد انفرط وتفكك، فلم تعد الدولة تحمي المواطن، بل على العكس، صارت أغلبية المواطنين ينظرون في الدولة ذاك العدو الغاشم، فقد بدأت تباشير دولة الجباية بالظهور لتعيد معها ذاكرة الفدواي وعصاه الغليظة.
إذا كان الاحتجاج الاعتيادي كالمسيرات والمظاهرات _والذي يبدو مكلفًا الآن_ قد انسد أفقه، فإن السياسة اليومية تظل مفتوحة الأفق. إنها لا تَعِد بانفجار فوري، لكنها تبني ببطء شروط تحوّل محتمل. وهنا تكمن المفارقة البحرينية: كلما ضاق المجال الرسمي، اتسع المجال غير المرئي؛ وكلما اشتدت أدوات الضبط، تعمّقت الحاجة إلى الحيلة. وفي تلك المنطقة الرمادية بين الامتثال والمقاومة، يتشكّل مستقبل الاحتجاج القادم، لا بوصفه حدثاً مفاجئاً، بل بوصفه نتيجة تراكم طويل لا تلتقطه تقارير المستشارين، ولا تقرأه مؤشرات الأمن وحدها.
الحقيقة التي يجب على عائلة الحكم أن تدركها الآن أن الاحتجاج القادم على سياساتها هو قدر لا مفر منه، ما لم تتخلى عن طغيانها وغطرستها.
- 2026-11-04السفيرة الأمريكية تدعي الحماية.. والبحرينيون: ما شفنا أحد دافع عنّا!
- 2026-11-03من مباحث أمن الدولة إلى جهاز المخابرات الوطني في البحرين: حين تتغير الأسماء ولا ينتهي السؤال
- 2026-11-03دولة الإقصاء تعِظ الخليج بالشراكة!
- 2026-11-03أخطر محاكمات القرن في البحرين.. الملك ومشروع إفراغ المجتمع الشيعي من مرجعياته المقبلة
- 2026-11-01الإمارات ستُنقذ البحرين من ديونها بدل السعودية.. ماذا بعد؟