عندما يتحدث الفقيه فعلى ساكني قصر الصافرية الاستماع
عباس المرشد - 2026-11-07 - 5:34 م
مرآة البحرين: قلّما يتجه سماحة الشيخ الوالد آية الله عيسى قاسم إلى التصعيد في خطابه السياسي. فقد عُرف عنه التدرج في المواقف، والاحتكام إلى موازين شرعية دقيقة، تراعي مقتضيات المصلحة العامة وقاعدة دفع الضرر، وتقدّر النتائج المترتبة على كل موقف قبل إعلانه. ولذلك ظل التصعيد في خطابه محصوراً في اللحظات التي تستنفد فيها النصيحة أغراضها، وتضيق فيها مساحة الدعوة والتوجيه، ويصبح السكوت عن استمرار الضرر موقفاً له تبعاته الشرعية والسياسية.
في مارس 2011، دخلت قوات درع الجزيرة البحرين، وأعقب ذلك إعلان حالة السلامة الوطنية، وما رافقها من اعتقالات وإجراءات أمنية وهدم عدد من المساجد. يومها كانت البلاد تعيش واحدة من أشد مراحل الصراع السياسي، وكان المجتمع بحاجة إلى موقف يتجاوز لغة المناشدة إلى خطاب التكليف والصمود المدني. فجاء خطاب الشيخ عيسى قاسم حاسماً في الدفاع عن الكرامة ورفض الإذلال، واختُزلت روحه في الشعار الذي تردد في تلك المرحلة: «لن نركع إلا لله». كان ذلك تعبيراً عن موقف ديني وسياسي يرى أن طاعة السلطة تقف عند حدود العدالة، وأن المحافظة على السلمية لا تعني القبول بالظلم.
واليوم، بعد خمسة عشر عاماً، تعود المواجهة حول موقع المؤسسة الدينية ومكانة علمائها. فالسلطة التي دخلت في صدام مع المرجعية الدينية، وبلغت إجراءاتها إسقاط جنسية الشيخ عيسى قاسم عام 2016، تواجه اعتراضاً جديداً على محاكمة عدد من كبار العلماء، بينهم الشيخ محمد صنقور والشيخ علي الصددي والشيخ محمود العالي. وفي بيان السادس من نوفمبر 2026، لم يكتفِ الشيخ بإدانة المحاكمات، بل وضع الحكم أمام اختبار العدالة، وحمّل الشعب مسؤولية سلامة العلماء مادياً ومعنوياً.
وتبرز حدة البيان في انتقال الشيخ من مطالبة السلطة بمراجعة موقفها إلى تحميل المجتمع مسؤولية مستمرة عن حماية العلماء. وقد قرن المطالبة «بلا توقف ولا فتور» بالحكمة والسلمية، محافظاً على الموازنة التي حكمت مواقفه في أشد مراحل الأزمة: الإصرار على الحقوق، مع تجنب الوسائل التي تزيد الضرر الواقع على المجتمع. لكنه هذه المرة لم يترك التضامن مع العلماء عند حدود التعاطف أو بيانات الاستنكار، بل جعله مسؤولية عامة تترتب عليها مواقف عملية.
وقد حمل البيان ثلاث رسائل سياسية، تتقدمها رسالة إلى القصر، ثم إلى الشعب والقوى الدينية والسياسية.
الرسالة الأولى إلى القصر:
محاكمة العلماء اختبار لعدالة الحكم، ولا تستطيع السلطة أن تفصل مسؤوليتها السياسية عن استمرار الإجراءات التي يصفها الشيخ بالجائرة. فقد اختار الشيخ عبارتي «خط الحكم» و«خط العدل»، ووضع أمام السلطة خياراً بين الاعتراف بالدور الديني والوطني للعلماء، وبين المضي في مسار يراه اعتداءً على مكانتهم وكرامتهم. واللافت أنه خاطب الحكم، لا المحكمة وحدها، واضعاً المسؤولية عند صاحب القرار السياسي. فالتجربة الممتدة من أحداث 2011 إلى إسقاط جنسيته عام 2016 يفترض أن تكون كافية لإدراك ما يتركه الصدام مع المؤسسة الدينية من آثار في علاقة السلطة بالمجتمع. وقد جاء بيانه قبل يومين من المحاكمة ليمنح القصر فرصة مراجعة موقفه، بدلاً من إضافة فصل جديد إلى هذا الصدام.
الرسالة الثانية إلى الشعب:
انتهى وقت الاكتفاء بالتضامن اللفظي مع العلماء. فالشيخ حين يقول إن «مسؤولية سلامة العلماء يتحملها كل الشعب»، ينقل الدفاع عنهم إلى مسؤولية جماعية مستمرة، يستند فيها إلى مواقف العلماء السابقة في حماية حقوق الناس وحرياتهم. وقد اختصر هذه العلاقة بقوله: «كما وفى العلماء للشعب فعلى الشعب أن يفي للعلماء». فالوفاء الذي يطالب به ليس تعاطفاً عابراً، وإنما مطالبة جادة لا تتوقف ولا تفتر، مع الالتزام بالحكمة والسلمية.
الرسالة الثالثة إلى القوى السياسية والدينية:
قضية العلماء أوسع من الانتماءات التنظيمية والخلافات السياسية. ورغم أن الشيخ لم يخاطب هذه القوى بأسمائها، فإن دعوته إلى وقوف الشعب كله مع العلماء تحمل رسالة ضمنية بضرورة تجاوز التباينات وتكوين موقف مشترك يحمي مكانة المؤسسة الدينية وحقوق علمائها. وقد ترك للقوى المعنية تقدير وسائل التعبير عن هذا الموقف، ضمن الضوابط السلمية التي أكدها البيان.
وتعيد هذه الرسائل طرح العلاقة بين الحكم والمؤسسة الدينية من زاوية يصعب على السلطة تجاهلها. فالعلماء الذين يطالب الشيخ بحمايتهم يستمدون مكانتهم من حضورهم الديني والاجتماعي، ومن مواقفهم في الدفاع عن الحقوق السياسية والمدنية. ولذلك فإن محاكمتهم، في قراءة الشيخ، تتجاوز مصير أشخاص بعينهم إلى طبيعة العلاقة التي يريد الحكم إقامتها مع المؤسسة الدينية، وحدود الدور الذي يسمح لها بأدائه في الحياة العامة.
وقد يستطيع القصر النظر إلى المحاكمات بوصفها إجراءات قضائية، لكن الشيخ وضعها في سياق سياسي أوسع حين جعل «خط العدل» معياراً للحكم على مسار السلطة. وهو تمييز لا ينفي استقلال القضاء أو ضرورة الاحتكام إلى القانون، وإنما يضع المسؤولية السياسية عن العلاقة مع المؤسسة الدينية أمام الحكم نفسه. فالإجراءات القضائية لا تعفي السلطة من النظر في آثار قراراتها، ولا تمنع المجتمع من المطالبة بضمان حقوق علمائه وكرامتهم.
وتضع هذه الرسائل الثلاث ساكني قصر الصافرية أمام حقيقة لا ينبغي تجاهلها، وهي أن الشيخ عيسى قاسم لم يعد يكتفي بمناشدة الحكم، بل بات يحمّل الشعب مسؤولية حماية العلماء، بعدما بلغ الخلاف مع المؤسسة الدينية مرحلة تستدعي موقفاً أكثر حسماً. فالشيخ الذي طالما قدّم المصلحة ودفع الضرر لا يتخذ موقفاً بهذه الحدة إلا حين يرى أن الصمت لم يعد مقبولاً. وقد جاءت رسالته واضحة: سلامة العلماء مسؤولية الشعب، والعدل مسؤولية الحكم. وعلى القصر أن يستمع جيداً؛ فالثامن من نوفمبر اختبار لخيارات السلطة، ولقدرتها على تجنب فصل جديد من المواجهة مع المؤسسة الدينية.
- 2026-11-06آية الله قاسم يحذر السلطة: محاكمة العلماء في 8 نوفمبر تضع سلامتهم في عهدة الشعب
- 2026-11-0627 عاماً من الحكم.. ماذا سيبقى حين ينتهي العمر؟
- 2026-11-05أين الإنسان الشيعي في البحرين من إنجازات ولي العهد؟
- 2026-11-05الاحتجاج المؤجَّل: كيف يُنتج انسداد السياسة انفجارها القادم في البحرين
- 2026-11-04السفيرة الأمريكية تدعي الحماية.. والبحرينيون: ما شفنا أحد دافع عنّا!