الحسن يقرّ بملاحقة الفكر الشيعي من جذوره!

2026-11-08 - 10:54 م

مرآة البحرين: أقرّ رئيس الشرطة في البحرين طارق بن حسن الحسن في تصريح لوكالة "رويترز" بالتوجّه الانتقامي لدى السلطة لاجتثاث فكر ديني عبر الطرق الأمنية.

يقول الحسن في مقابلته مع "رويترز" التي وردت ضمن تقرير بعنوان "حرب إيران تدفع البحرين إلى تضييق الخناق على رجال دين شيعة": "نحن نواجه فكرًا يُطالب بالطاعة لقيادة إيران فوق السلطة السيادية للبحرين.. "للأسف، كشفت الحرب عن مدى استغلال بعض الأفراد وتلقينهم فكرًا مرتبطًا بإيران... لقد عزّزت ولاية الفقيه الولاء لدولة أجنبية داخل أجزاء من مجتمعنا، وهذا أمر غير مقبول"، ويضيف "قررنا في تلك المرحلة أن هذه القضية يجب أن تُعالج من جذورها".

يحمل هذا التصريح مُغالطات واضحة وجليّة، وهو بالمرتبة الأولى يقدّم رؤية الدولة لما اقترفته من حملة مسعورة تريد من خلالها أن تُقنع من يسمع بها أنها على حقّ في كلّ ما اتخذته. المسألة تحمل الكثير من التزييف والتلفيق والإساءة لعقيدة دينية خالصة.

يدّعي الحسن أن من هم معتقلون يحثّون على طاعة إيران، لتعزيز التهمة وتهشيم صورة علماء الدين والنيْل من كراماتهم وتصويرهم على أنهم خونة لبلادهم.

هذا يعني أنه لا يكتفي بتوجيه اتهامات سياسية إلى المعتقلين، بل ينتقل إلى مستوى أكثر خطورة، يتمثل في وضع عقيدة دينية كاملة موضع الاتهام، وتحويلها إلى قرينة إدانة جماعية، وكأن الاعتقاد بنظرية ولاية الفقيه أو الإيمان بمرجعية دينية خارج الحدود الجغرافية جريمة بحد ذاتها.

وهنا ينبغي تفكيك المغالطة الأساسية: الإيمان بمرجعية دينية لا يعني الخضوع السياسي لدولة أجنبية، والانتماء المذهبي لا يلغي الانتماء الوطني، والارتباط الروحي بعالم دين لا يحوّل صاحبه إلى تابع لدولة ذلك العالم. هذه بديهيات لا تحتاج إلى كثير من الشرح، لكنها تصبح ضرورية حين تتعمّد السلطة خلط الأوراق وتقديم التعدد الديني والفكري باعتباره خطرًا أمنيًا.

ثمّ إن الحسن يتحدث عن "معالجة القضية من جذورها". وهذا التعبير، في سياق حملة تصعيدية طالت رجال الدين الشيعة، ليس تفصيلًا عاديًا. إنه يكشف عن ذهنية تتعامل مع الاختلاف العقائدي باعتباره مشكلة ينبغي اجتثاثها، لا حقًّا أصيلًا من حقوق المواطنين. فهل المطلوب من البحرينيين أن يتخلّوا عن معتقداتهم واجتهاداتهم الدينية كي يثبتوا ولاءهم لبلادهم؟ وهل باتت المواطنة مشروطة بالتخلّي عن مرجعيات دينية لا تختارها السلطة؟

والأكثر إثارة للسخرية أن الحسن يتحدث باسم السيادة الوطنية، فيما يجري توظيف هذه السيادة لتبرير التدخل في ضمائر المواطنين ومعتقداتهم، وملاحقة رجال الدين بسبب أدوراهم الفقهية ومعتقداتهم الدينية.

كما أن الحسن يتعمّد القفز فوق السؤال الأكثر جوهرية: أين الأدلة التي تثبت أن رجال الدين المعتقلين أصدروا أوامر سياسية لمصلحة إيران، أو نسقوا مع الحرس الثوري، أو سعوا إلى إسقاط النظام؟ إن كانت لدى السلطات أدلة على ارتكاب جرائم محددة، فلتعرضها أمام محكمة مستقلة، ولتمنح المتهمين حق الدفاع والمحاكمة العادلة. أما الاكتفاء بإطلاق اتهامات فضفاضة عن الولاء والتلقين والأيديولوجيا، فلا يحوّل الاتهام إلى حقيقة، ولا يمنح السلطة صكًا مفتوحًا لمعاقبة الناس على معتقداتهم.

ما يحاول طارق الحسن تسويقه ليس دفاعًا عن السيادة بقدر ما هو محاولة لتوفير ذرائع لحملة أمنية تستهدف مكونًا أصيلًا من مكونات المجتمع البحريني. فبدل معالجة الانقسامات الداخلية، والبحث في أسباب الاحتقان وفقدان الثقة، تختار السلطة صناعة عدو داخلي، وتضع العقيدة الدينية في قفص الاتهام، وتطالب المواطنين بإثبات ولائهم عبر التبرؤ من مرجعياتهم ومعتقداتهم.